السيد نعمة الله الجزائري
350
عقود المرجان في تفسير القرآن
العبوس ليس من صفات النبيّ مع الأعداء فكيف مع المؤمنين المسترشدين . ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء ، لا يشبه أخلاقه الكريمة ؛ لقوله سبحانه : « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » . « 1 » والظاهر أنّ المراد بقوله : « عَبَسَ وَتَوَلَّى » غيره . وروي عن الصادق عليه السّلام : انّها نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النبيّ فجاء ابن أمّ مكتوم فلمّا رآه تقذّر منه وعبس في وجهه وجمع نفسه . فحكى اللّه عنه ذلك وأنكره عليه . فإن قيل : لو صحّ الخبر الأوّل ، هل يكون العبوس ذنبا أم لا ؟ الجواب : انّ العبوس والانبساط مع الأعمى سواء - لأنّه لا يشقّ عليه ذلك ، فلا يكون ذنبا . فيجوز أن يكون إنّما عاتبه ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق وينبّهه على عظم حال المؤمن المسترشد ويعرّفه أنّ تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إسلامه . وقال الجبّائيّ : وفي هذا دلالة على أنّ الفعل يكون معصية فيما بعد لمكان النهي . فأمّا في الماضي ، فلا يدلّ على أنّه كان معصية قبل ان ينتهى عنه . وقيل : إنّ ما فعل الأعمى كان من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض عنه إلّا أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه إنّما أعرض عنه لفقره وأقبل عليهم لرئاستهم تعظيما لهم ، فعاتبه اللّه على ذلك . « 2 » [ 1 - 4 ] [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) قال : نزلت في عثمان وابن أمّ مكتوم . وكان ابن أمّ مكتوم مؤذّنا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وكان أعمى . وجاء إلى رسول اللّه وعنده أصحابه . فقدّمه رسول اللّه على عثمان ، فعبس عثمان وجهه وتولّى . فأنزل اللّه : « عَبَسَ وَتَوَلَّى » . يعني عثمان . « يَزَّكَّى » ؛ أي : يكون طاهرا أزكى « أَوْ يَذَّكَّرُ » . قال : يذكّره رسول اللّه . « 3 » « أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى » : لأن جاءه الأعمى . كأنّه يقول : قد استحقّ عنده العبوس و
--> ( 1 ) - القلم ( 68 ) / 4 . ( 2 ) - مجمع البيان 10 / 663 - 664 . ( 3 ) - تفسير القمّيّ 2 / 404 - 405 .