السيد نعمة الله الجزائري
248
عقود المرجان في تفسير القرآن
خلق رقيق غذاؤهم التنسّم . « 1 » والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع ولا يقدر الجسم الكثيف على ذلك . الرصد مثل الحرس اسم جمع للراصد ، على معنى : ذوي شهاب راصدين بالرجم . وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع . ويجوز أن يكون صفة للشهاب بمعنى الراصد . فإن قلت : كأنّ الرجم لم يكن في الجاهليّة . وقد قال اللّه : « زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ » . « 2 » قلت : قال بعضهم حدث بعد مبعث رسول اللّه . والصحيح أنّه كان قبل المبعث . وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهليّة . ولكنّ الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال ، فلمّا بعث رسول اللّه ، كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة حتّى تنبّه لها الإنس [ والجنّ ] ومنع من الاستراق أصلا . وفي قوله : « مُلِئَتْ » دليل على أنّ الحادث هو الملء والكثرة . وكذلك قوله : نقعد فيها مقاعد أي : كنّا نجد فيها بعض المقاعد خالية عن الحرس والشهب والآن ملئت المقاعد كلّها . وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتّى عثروا على رسول اللّه واستمعوا قراءته . « 3 » [ 10 ] [ سورة الجن ( 72 ) : آية 10 ] وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ( 10 ) يقولون : لمّا حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قلنا : ما هذا إلّا لأمر أراده اللّه بأهل الأرض ولا يخلو من أن يكون شرّا أو رشدا - أي : خيرا - من عذاب أو رحمة أو من خذلان أو توفيق . « 4 » عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله : « أَ شَرٌّ أُرِيدَ » - الآية - فقال : لا بل - واللّه - شرّا أريد بهم حين بايعوا معاوية وتركوا الحسن بن عليّ عليهما السّلام . « 5 »
--> ( 1 ) - المصدر : النسيم . ( 2 ) - الملك ( 67 ) / 5 . ( 3 ) - الكشّاف 4 / 624 - 626 . ( 4 ) - الكشّاف 4 / 627 . ( 5 ) - تفسير القمّيّ 2 / 391 .