السيد نعمة الله الجزائري
142
عقود المرجان في تفسير القرآن
له . كقوله : « وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » . « 1 » والدليل عليه : « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » ؛ أي : عالم بكفركم وإيمانكم اللّذين هما من عملكم . والمعنى : هو الذي تفضّل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد ، فيجب أن تكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين . فما فعلتم مع تمكّنكم بل تفرّقتم فرقا فمنكم كافر ومنكم مؤمن . وقدّم الكفر لانّه الأغلب والأكثر . وقيل : هو الذي خلقكم . فمنكم كافر بالخلق وهو الدهريّة . ومنكم مؤمن به . فإن قلت : نعم ، إنّ العباد هم الفاعلون للكفر ، ولكن سبق في علم الحكيم أنّه إذا خلقهم لم يفعلوا إلّا الكفر ولم يختاروا غيره . فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم ؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلّا واحد ؟ وهل مثله إلّا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا ؟ أما يطبق العقلاء على ذمّ الواهب كما يذمّون القاتل ؟ قلت : قد علمنا أنّ اللّه عليم حكيم بقبح القبيح عالم بغناه عنه . فقد علمنا أنّ أفعاله كلّها حسنة . وخلق فاعل القبيح فعله ، فوجب أن يكون له وجه حسن . وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه ؛ كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها . « 2 » عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله : « فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ » فقال : عرف اللّه إيمانهم بولايتنا وكفرهم بها يوم أخذ الميثاق عليهم في صلب آدم عليه السّلام وهم ذرّ . « 3 » [ 3 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 3 ] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) « بِالْحَقِّ » ؛ أي : العدل وإحكام الصنعة وصحّة التقدير . « 4 » « بِالْحَقِّ » ؛ أي : الغرض الصحيح ، وهو أن جعلها مقارّ المكلّفين ليعملوا فيجازيهم . « فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ » . هو أن جعلهم أحسن الحيوان كلّها ؛ بدليل أنّ الإنسان لا يتمنّى أن يكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور . فإن قلت : فكم من دميم مشوّه الصورة
--> ( 1 ) - الحديد ( 57 ) / 26 . ( 2 ) - الكشّاف 4 / 546 . ( 3 ) - الكافي 1 / 413 ، ح 4 . ( 4 ) - مجمع البيان 10 / 447 .