السيد نعمة الله الجزائري

89

عقود المرجان في تفسير القرآن

« زَوْجَكَ » . يعني زينب ، يقول : احبسها ولا تطلّقها . [ وهذا الكلام يقتضي مشاجرة ] « 1 » جرت بين الزوجين حتّى وعظه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بقوله : أمسكها . « وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ » . الذي أخفاه في نفسه هو أنّه إن طلّقها زيد تزوّجها وخشي عليه السّلام لائمة الناس أن يقولوا أمره بطلاقها ثمّ تزوّجها . وقيل : الذي أخفاه هو أنّ اللّه أعلمه أنّها ستكون من أزواجه وأنّ زيدا سيطلّقها . فلمّا جاء زيد وقال له : أريد أن أطلّق زينب ، قال : « أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » . فقال سبحانه : لم قلت : « أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » وقد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجك ؟ وروي ذلك عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام . وهذا التأويل مطابق لتلاوة الآية . وذلك أنّه سبحانه أعلمه أنّه يبدي ما أخفاه ولم يظهر غير التزويج فقال : « زَوَّجْناكَها » . ولو كان الذي أضمره محبّتها أو إرادة طلاقها ، لأظهره اللّه ذلك مع وعده بأنّه يبديه . فدلّ ذلك على أنّه إنّما عوتب على قوله : « أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » مع إعلامه بأنّها ستكون زوجته وكتمانه ما أعلم اللّه به حيث استحيا أن يقول لزيد : إنّ التي تحتك ستكون امرأتي . وقال البلخيّ : ويجوز أيضا على ما يقولون [ أنّ ] النبيّ استحسنها فتمنّى أن يفارقها زيد فيتزوّجها وكتم ذلك . لأنّ هذا التمنّي قد طبع عليه البشر ولا حرج على أحد في أن يتمنّى شيئا استحسنه . وقيل : إنّه أضمر أن يتزوّجها إن طلّقها زيد من حيث كانت ابنة عمّته فأراد ضمّها إلى نفسه لئلّا يصيبها ضيعة ؛ كما يفعل الرجل بأقاربه . عن الجبّائيّ قال : فأخبر اللّه الناس بما كان يضمره من إيثار ضمّها إلى نفسه ليكون ظاهره مطابقا لباطنه . وقيل : إنّ زينب كانت شريفة . فزوّجها رسول اللّه من زيد مولاه ولحقها بذلك بعض العار . فأراد عليه السّلام أن يزيدها شرفا بأن يتزوّجها . فعزم أن يتزوّج بها إذا فارقها زيد . وقيل : إنّ العرب كانوا ينزلون الأدعياء منزلة الأبناء في الحكم . فأراد عليه السّلام أن يبطل ذلك بالكلّيّة وينسخ سنّة الجاهليّة . وكان يخفي في نفسه تزويجها لهذا الغرض ، لئلّا يقول الناس إنّه تزوّج امرأة ابنه ويقرّفونه ما هو منزّه عنه ، ولهذا قال : « أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » . « 2 »

--> ( 1 ) - في النسخة : « المشاجرة » بدل ما بين المعقوفتين . ( 2 ) - مجمع البيان 8 / 564 - 565 .