السيد نعمة الله الجزائري
15
عقود المرجان في تفسير القرآن
لك . فنفرت قريش من هذا القول . فقال لهم إبليس : على رسلكم حتّى آتي [ على ] آخر كلامي . فقالوا : ما هو ؟ فقال : إلّا شريك هو لك تملكه وما يملك . ألا ترون أنّه يملك الشريك وما ملك ؟ فرضوا بذلك . وكانوا يلبّون بهذا قريش خاصّة . فلمّا بعث اللّه رسوله ، أنكر عليهم ذلك وقال : هذا شرك . فأنزل اللّه : « ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا » . « 1 » « ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا » . احتجّ سبحانه على عبدة الأوثان فقال : « ضَرَبَ لَكُمْ » أيّها المشركون « مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ » ؛ أي : بيّن لكم شبها لحالكم ذلك المثل من أنفسكم . [ ثمّ بيّنه ] فقال : هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي : من عبيدكم وإمائكم « مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ » من المال والأملاك والنعم ؟ أي : هل يشاركونكم في المال ؟ « فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ » ؛ أي : فأنتم وشركاؤكم من عبيدكم فيما رزقناكم شرع سواء . « تَخافُونَهُمْ » أن يشاركوكم فيما ترثونه من آبائكم « كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ » ؛ أي : كما يخاف الرجل الحرّ [ شريكه الحرّ ] في المال يكون بينهما أن ينفرد دونه بأمر فهو يخاف شريكه . يعني أنّ هذه الصفة لا يكون بين المالكين والمملوكين كما تكون بين الأحرار . ومعنى أنفسكم ها هنا أمثالكم من الأحرار . والمعنى : انّكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء في أموالكم ، فكيف ترضون لربّكم أن يكون له شركاء في العبادة ؟ « 2 » ومن الأولى للابتداء . لأنّ معناه : مثلا منتزعا من أحوال نفوسكم التي هي أقرب الأمور إليكم . ومن الثانية للتبعيض . والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي . « كَذلِكَ » : مثل هذا التفصيل . « نُفَصِّلُ الْآياتِ » : نبيّنها . فإنّ التمثيل ممّا يكشف المعاني ويوضحها . « لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » : يستعملون عقولهم في تدبّر الأمثال . « 3 » « مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ » ؛ أي : ترضون أنتم فيما تملكون أن يكون لكم فيه شريك ؟ وإن لم ترضوا أنتم أن يكون لكم شريك فيما تملكوه ، فكيف ترضون أن تجعلوا لي شريكا فيما
--> ( 1 ) - تفسير القمّيّ 2 / 154 . ( 2 ) - مجمع البيان 8 / 473 - 474 . ( 3 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 220 .