السيد نعمة الله الجزائري

14

عقود المرجان في تفسير القرآن

يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي : يخترعهم ابتداء . « ثُمَّ يُعِيدُهُ » ؛ أي : يعيدهم . فجعل سبحانه ما ظهر من ابتداء خلقه دليلا على ما خفي من إعادته ، استدلالا بالشاهد على الغائب . ثمّ أكّد ذلك بقوله : « وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » ؛ أي : هيّن . أو إنّه إنّما قال : « أَهْوَنُ » لما تقرّر في العقول أنّ إعادة الشيء أهون من ابتدائه ؛ أي : أيسر وأسهل . وهم كانوا مقرّين بالابتداء ، فكأنّه قال لهم : كيف تقرّون بما هو أصعب وتنكرون ما هو أهون عندكم ؟ وقيل : الهاء في « عَلَيْهِ » يعود إلى الخلق بمعنى المخلوق . والإعادة على المخلوق أهون من النشأة الأولى ، [ لأنّه إنّما يقال له في الإعادة كن فيكون وفي النشأة الأولى ] كان نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظاما ثمّ كسيت العظام لحما ثمّ نفخ فيه الروح . فهذا على المخلوق أصعب والإنشاء يكون أهون عليه . وهذا قول النحويّين . وروي مثله عن ابن عبّاس . قال : وهو أهون على المخلوق لأنّه يقول له يوم القيامة كن فيكون . « وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى » ؛ أي : الصفات العليا « فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . وهي أنّه لا إله إلّا هو وحده لا شريك له . لأنّها دائمة يصفه بها الثاني كما يصفه بها الأوّل . وقيل : هي [ أنّه ] ليس كمثله شيء . وقيل : هي جميع ما يختصّ به عزّ اسمه من الصفات العلى التي لا يشاركه فيها سواه والأسماء الحسنى التي تفيد التعظيم كالقاهر والإله . « الْعَزِيزُ » في ملكه . « الْحَكِيمُ » في خلقه . « 1 » [ 28 ] [ سورة الروم ( 30 ) : آية 28 ] ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) « مَثَلًا » . كان سبب نزولها أنّ قريشا والعرب كانوا إذا حجّوا يلبّون وكانت تلبيتهم : لبّيك اللّهمّ لبّيك لا شريك لك ، وهي تلبية إبراهيم . فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال : ليس هذا تلبية أسلافكم . كانوا يقولون : لبّيك اللّهمّ لبّيك . لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو

--> ( 1 ) - مجمع البيان 8 / 473 .