السيد نعمة الله الجزائري

126

عقود المرجان في تفسير القرآن

« إِلَّا لِنَعْلَمَ » ؛ أي : لم نمكّنه من وسوستهم وإغوائهم إلّا لنميّز بين من يقبل منه ومن يمتنع فنعذّب ونثيب . فعبّر عن هذا التمييز بالعلم ، وإلّا فهو سبحانه عالم بأحوالهم فيما لم يزل . أو : لنعلم طاعاتهم موجودة أو معاصيهم - إن عصوا - فنجازيهم بحسبها . لأنّه لا يجازي أحدا على ما يعلم من حاله إلّا بعد أن يقع ذلك منه . « 1 » [ 22 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 22 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) « قُلِ ادْعُوا » ؛ أي : قل يا محمّد لهؤلاء المشركين : ادعوا الذين زعمتم أنّهم آلهة وأنّهم شفعاؤكم . وهذا نوع توبيخ لا أمر ، ليعلموا أنّ أوثانهم لا تنفعهم ولا تضرّهم . ثمّ أجاب عنهم إشعارا بتعيّن الجواب وأنّه لا يقبل المكابرة فقال : « لا يَمْلِكُونَ » بأنفسهم واختيارهم « مِثْقالَ ذَرَّةٍ » : زنة ذرّة من خير أو شرّ « فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ » : في أمرهما . وذكرهما للعموم العرفيّ ، أو لأنّ آلهتهم بعضها سماويّة كالملائكة والكواكب وبعضها أرضيّة كالأصنام ، أو لأنّ الأسباب القريبة للخير والشرّ سماويّة وأرضيّة . « وَما لَهُمْ فِيهِما » ؛ أي : ليس لهم في خلق السماوات والأرض من شركة ونصيب . « وَما لَهُ مِنْهُمْ » ؛ أي : ليس له سبحانه منهم معاون على خلق السماوات والأرض . « 2 » مذاهب أهل الشرك أربعة : أحدها قولهم : إنّا نعبد الملائكة والكواكب وهم آلهتنا واللّه إلهم . فأبطل اللّه قولهم بأنّهم لا يملكون في السماوات شيئا كما اعترفتم ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أنّ الأرض والأرضيّات في حكمهم . وثانيها قول بعضهم : إنّ السماوات من اللّه على سبيل الاستقلال . وإنّ الأرضيّات منهنّ ولكن بواسطة الكواكب واتّصالاتها وتصرّفاتها . فأبطل معتقدهم بقوله : « وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ » . أي الأرض كالسماء للّه ليس

--> ( 1 ) - مجمع البيان 8 / 608 . ( 2 ) - مجمع البيان 8 / 609 ، وتفسير البيضاويّ 2 / 260 .