السيد نعمة الله الجزائري

50

عقود المرجان في تفسير القرآن

قادر على ذلك ، لكنّ الحكمة اقتضت أن يضلّ من يشاء ، وهو أن يخذل من عرف أنّه يختار الكفر ويصمّم عليه ، ويهدي من يشاء ، وهو أن يلطف بمن علم أنّه يختار الإيمان . يعني أنّه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحقّ به اللّطف والخذلان والثواب والعقاب ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحقّ به شيء من ذلك . وحقّقه بقوله : وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . ولو كان هو المضطرّ إلى الضلال والاهتداء ، لما أثبت لهم عملا يسألون عنه . « 1 » [ 94 ] [ سورة النحل ( 16 ) : آية 94 ] وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) « وَلا تَتَّخِذُوا » . ثمّ كرّر النهي عن اتّخاذ الأيمان دخلا بينهم تأكيدا عليهم . « فَتَزِلَّ قَدَمٌ » ؛ أي : فتزلّ أقدامكم عن محجّة الإسلام بعد ثبوتها عليها . « وَتَذُوقُوا السُّوءَ » في الدنيا بصدودكم عن سبيل اللّه وخروجكم من الدين ، أو بصدّ غيركم . لأنّهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدّوا ، لاتّخذوا نقضها سنّة لغيرهم يستنّون بها . « عَذابٌ عَظِيمٌ » في الآخرة . كأنّ قوما ممّن أسلموا بمكّة زيّن لهم الشيطان - لجزعهم ممّا رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد - أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول اللّه ، فثبّتهم اللّه . « قَدَمٌ » . فإن قلت : لم وحّدت القدم ونكّرت ؟ قلت : لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحقّ بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة . « 2 » « قَدَمٌ » . عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : يعني بعد مقالة رسول اللّه في عليّ عليه السّلام . « 3 » « صَدَدْتُمْ » . عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : يعني به عليّا عليه السّلام . « 4 » [ 95 ] [ سورة النحل ( 16 ) : آية 95 ] وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) « وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ » ؛ أي : لا تستبدلوا بعهد اللّه وبيعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « ثَمَناً قَلِيلًا » ؛ أي :

--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 631 - 632 . ( 2 ) - الكشّاف 2 / 632 - 633 . ( 3 ) - الكافي 1 / 292 ، ح 1 . ( 4 ) - الكافي 1 / 292 ، ح 1 .