السيد نعمة الله الجزائري

391

عقود المرجان في تفسير القرآن

بالعقل والصدق أوّلا ثمّ نسبوه إلى الجنون . وإنّما قالوا ذلك لينفروا الناس عنه أو لأنّه يطمع في إيمانهم فهو يطمع في غير مطمع . « بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ » ؛ أي : الدين الحقّ وليس به جنون . « كارِهُونَ » . لأنّه لم يوافق مرادهم . « 1 » « وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » . قيّد الحكم بالأكثر لأنّه كان منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه أو لقلّة فطنته وعدم فكرته لا لكراهة الحقّ . « 2 » [ 71 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 71 ] وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ » . الحقّ هو اللّه . أي : لو جعل اللّه لنفسه شريكا كما يهوون ، لفسدت السماوات والأرض . كما تقدّم في قوله : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ » . « 3 » وقيل : الحقّ ما يدعو إلى المصالح . والأهواء ما تدعو إلى المفاسد . ولو اتّبع الحقّ داعي الهوى ، لدعا إلى المقابح ولفسد التدبير في السماوات والأرض ، لأنّها مدبّرة بالحقّ لا بالهوى . « وَمَنْ فِيهِنَّ » ؛ أي : لفسد من فيهنّ . وهو إشارة إلى العقلاء من الملائكة والإنس والجنّ . ووجه فساد العالم بذلك أنّه يوجب بطلان الأدلّة وأن لا يوثق بوعد ولا وعيد ولا يؤمن انقلاب عدل الحكيم . « بِذِكْرِهِمْ » ؛ أي : بما فيه شرفهم وفخرهم ، لأنّ الرسول منهم والقرآن نزل بلسانهم . « فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ » ؛ أي : شرفهم « مُعْرِضُونَ » وبالذلّ راضون . وقيل : الذكر البيان للحقّ . « 4 » « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ » . قال : الحقّ رسول اللّه وأمير المؤمنين عليهما السّلام . ولو اتّبع رسول اللّه وأمير المؤمنين عليهما السّلام قريشا « لَفَسَدَتِ » بعدم الثبات . « 5 » [ 72 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 72 ] أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 )

--> ( 1 ) - مجمع البيان 7 / 179 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 108 . ( 3 ) - الأنبياء ( 21 ) / 22 . ( 4 ) - مجمع البيان 7 / 179 . ( 5 ) - تفسير القمّيّ 2 / 92 . وفيه : « لَفَسَدَتِ السَّماواتُ . . . » ففساد السماء إذا لم تمطر وفساد الأرض إذا لم تنبت وفساد الناس في ذلك .