السيد نعمة الله الجزائري

34

عقود المرجان في تفسير القرآن

[ 69 ] [ سورة النحل ( 16 ) : آية 69 ] ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) « مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » التي تعتاد النحل أكلها . أي : ابني البيوت ثمّ كلي كلّ ثمرة تشتهينها . فإذا أكلتي « فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ » : الطرق التي ألهمك في عمل العسل . أو : فاسلكي ما أكلت في سبل ربّك ؛ أي : في مسالكه التي يحيل فيها النور المرّ عسلا من أجوافك . وإذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك ، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربّك لا تتوعّر عليك وتضلّين فيها . فقد بلغني أنّها ربما أجدب عليها ما حولها فسافرت إلى البلد البعيد . أو أراد بقوله : « ثُمَّ كُلِي » أي : ثمّ اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها من مظانّها سبل ربّك . « ذُلُلًا » . جمع ذلول . حال من السبل . لأنّ اللّه ذلّلها لها ووطّأها وسهّلها . كقوله : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا » . « 1 » أو من ضمير فاسلكي . أي : وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة . « فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » . لأنّه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة . وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطّباء فيه العسل . وليس الغرض أنّه شفاء لكلّ مريض ، كما أن كلّ دواء كذلك . وتنكيره للتعظيم أو للتبعيض . « 2 » والثمرات المختلفة فنون العلم الذي يعلّمه الأئمّة شيعتهم في ذلك العلم « شِفاءٌ لِلنَّاسِ » . والشيعة هم الناس وغيرهم اللّه أعلم بهم ما هم . ولو كان كما تزعم أنّه العسل الذي يأكله الناس إذا ما أكل منه ذو عاهة ولا شرب إلّا شفي لقول اللّه : « فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » ؛ ولا خلف لقول اللّه . وإنّما الشفاء في علم القرآن . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ « 3 » لأهله لا شكّ فيه وأهله الأئمّة الهدى الذين قال اللّه : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا » « 4 » . « 5 »

--> ( 1 ) - الملك ( 67 ) / 15 . ( 2 ) - الكشّاف 2 / 619 - 618 . ( 3 ) - الإسراء ( 17 ) / 82 . ( 4 ) - فاطر ( 35 ) / 32 . ( 5 ) - تفسير العيّاشيّ 2 / 263 - 264 ، ح 43 . عن أبي عبد اللّه عليه السّلام .