السيد نعمة الله الجزائري

54

عقود المرجان في تفسير القرآن

أعطاهم النظر إلى الملكوت كلّما أرادوا وفي أيّ وقت شاؤوا « 1 » وبه يفضلون على إبراهيم كما لا يخفى . « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً » - الآيات . قال جماعة من المفسّرين : إنّما قال ذلك عند مهلة النظر . لأنّه لمّا أكمل اللّه عقله وحرّك دواعيه على الفكر والتأمّل ، رأى الكوكب فأعجبه حسنه ونوره - وقد كان قومه يعبدون الكواكب - فقال : هذا ربّي ، على سبيل الفكر . فلمّا علم أنّ ذلك لا يجوز على الإله ، استدلّ بذلك على أنّه محدث مخلوق . وكذلك كان حاله في رؤية القمر والشمس . « 2 » أقول : هذا خلاف ما دلّت عليه الأخبار ولا يناسب منصب النبوّة . القمر يسمّى لثلاث ليال من أوّل الشهر الهلال . ثمّ يسمّى قمرا إلى آخر الشهر . وسمّي قمرا لبياضه « 3 » ، أو لأنّه مأخوذ من قمره بمعنى غلبه . في حديث الجاثليق الذي سأل أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله تعالى : « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » « 4 » قال عليه السّلام : إنّ اللّه تعالى خلق العرش من أنوار أربعة . نور أحمر منه احمرّت الحمرة ؛ ونور أخضر منه اخضرّت الخضرة ؛ ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة ؛ ونور أبيض منه البياض . وهو العلم الذي حمّله اللّه الحملة . ثمّ قال بعد كلام طويل : فالّذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم اللّه علمه . وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلقه اللّه في ملكوته . وهو الملكوت الذي أراه اللّه أصفياءه وأراه خليله عليه السّلام فقال : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ » - الآية . « 5 » أقول : هذا الحديث لا ينافي ما قدّمناه من أنّ رؤية الخليل عليه السّلام كانت بالعين ، لتلازم الرؤيتين بالنسبة إليهم عليهم السّلام . « وَكَذلِكَ » ؛ أي : مثل هذا التبصير نبصّره . وهو حكاية حال ماضية . « مَلَكُوتَ

--> ( 1 ) - كنز الدقائق 4 / 363 - 370 . ( 2 ) - مجمع البيان 4 / 500 . ( 3 ) - مجمع البيان 4 / 500 . ( 4 ) - الحاقّة ( 69 ) / 17 . ( 5 ) - الكافي 1 / 129 - 130 ، ح 1 .