السيد نعمة الله الجزائري
313
عقود المرجان في تفسير القرآن
لغيره . قال قتادة : اثنان فعلهما النبيّ لم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين ؛ وأخذه الفداء من الأسارى . فعاتبه اللّه كما تسمعون . وهذا من لطيف المعاتبة ؛ بدأ بالعفو قبل العتاب . قال الجبّائيّ : قد كان هذا صغيرة . لأنّه لا يقال في المباح : لم فعلته ؟ وهذا غير صحيح لأنّه يجوز أن يقال فيما غيره أفضل منه : لم فعلته ؟ وكيف يكون إذنه لهم قبيحا وقد قال في موضع آخر : « فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ » ؟ « 1 » وقيل : معناه : أدام اللّه لك العفو ؛ لم أذنت لهؤلاء في الخروج ؟ لأنّهم استأذنوا فيه تملّقا ولو خرجوا لازدادوا الفساد ولم يعلم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ذلك من سريرتهم . « 2 » [ 44 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 44 ] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) بيّن حال المؤمنين والمنافقين في الاستئذان . « لا يَسْتَأْذِنُكَ » ؛ أي : لا يطلب منك الإذن في القعود عن الجهاد معك بالمعاذير الفاسدة . وقيل : معناه : لا يستأذنك [ في ] الخروج ، لأنّه مستغن عنه بدعائك إلى ذلك ، بل يتأهّب له . « أَنْ يُجاهِدُوا » : في أن يجاهدوا . « إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ » في التأخّر عن الجهاد . وقيل : في الخروج ، لأنّهم يستأذنون تملّقا . « 3 » [ 45 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 45 ] إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) « وَارْتابَتْ » : اضطربت وشكّت . « يَتَرَدَّدُونَ » ؛ أي : في شكّهم يذهبون ويرجعون . وأراد به المنافقين . أي : يتوقّعون الإذن لشكّهم في دين اللّه وفيما وعد المجاهدين . « 4 » « يَتَرَدَّدُونَ » ؛ أي : يتحيّرون . لأنّ التردّد ديدن المتحيّر . « 5 »
--> ( 1 ) - النور ( 24 ) / 62 . ( 2 ) - مجمع البيان 5 / 51 - 52 . ( 3 ) - مجمع البيان 5 / 52 - 53 . ( 4 ) - مجمع البيان 5 / 53 . ( 5 ) - الكشّاف 2 / 275 .