السيد نعمة الله الجزائري
278
عقود المرجان في تفسير القرآن
أسلموا في الابتداء لم يكونوا كلّهم أقوياء البدن ، ولكن كانوا أقوياء البصيرة واليقين ، ولمّا كثر المسلمون واختلط بهم من كان أضعف يقينا وبصيرة ، نزل : « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ » . « بِإِذْنِ اللَّهِ » ؛ أي : علم اللّه أو أمره بأن يثبت الواحد الاثنين . وقيل : إنّ هذه الآية نزلت بعد الآية الأولى بمدّة وإن قرن بينهما في المصحف وهي ناسخة للأولى . وقيل : إنّ التغليظ كان على أهل بدر ، ثمّ جاءت الرخصة . « 1 » « أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً » . قيل : كان فيهم قلّة في الابتداء ، ثمّ لمّا كثروا بعد ، نزل التخفيف . والمراد الضعف في البدن . وقيل : في البصيرة والاستقامة في الدين . وكانوا متفاوتين في ذلك . فإن قلت : لم كرّر المعنى الواحد - وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرّتين - قبل التخفيف وبعده ؟ قلت : للدلالة على أنّ الحال مع القلّة والكثرة واحدة لا تتفاوت . لأنّ الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف وبين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين . « 2 » [ 67 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 67 ] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) « أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى » . أهل البصرة بالتاء ولفظ « أَسْرى » . والباقون بالياء و « أَسْرى » . وأبو جعفر بالتاء و « أُسارى » بالجمع . أبو عبيدة السلمانيّ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأصحابه يوم بدر في الأسارى : إن شئتم قتلتموهم . وإن شئتم فاديتموهم فاستشهد منكم بعدّتهم . وكان الأسارى سبعين . فقالوا : نأخذ الفداء نتقوّى على عدوّنا ويستشهد منّا بعدّتهم . قال أبو عبيدة : طلبوا الخيرتين ، فقتل منهم يوم أحد سبعون . وقال أبو جعفر الباقر عليه السّلام : كان الفداء يوم بدر على كلّ رجل من المشركين أربعين أوقيّة . والأوقيّة أربعون مثقالا . إلّا العبّاس ؛ فإنّ فداءه مائة أوقيّة ذهبا . وكان أخذ منه يوم أسر عشرون أوقيّة ذهبا . فقال : ذاك غنيمة . ففاد
--> ( 1 ) - مجمع البيان 4 / 856 - 857 . ( 2 ) - الكشّاف 2 / 235 .