السيد نعمة الله الجزائري

5

عقود المرجان في تفسير القرآن

كلّ يوم إلى بستانه ويعطيني منجلا ويقول لي : يا ولدي ، حشّ هذا الحشيش لبهائمنا . فكنت أحشّ له وهو جالس يتلو عليّ صيغ الصرف والإعلال والإدغام . فإذا فرغت شددت الحشيش حزمة كبيرة وحملته على رأسي إلى بيته . وكان يقول لي : لا تخبر أهلك بهذا . فلمّا مضى فصل الحشيش وأقبل فصل رود الإبريسم ، فكنت كلّ يوم أحمل له حزمة من خشب التوت حتّى صار رأسي أقرع . فقال لي والدي رحمه اللّه : ما لرأسك ؟ فقلت : لا أعلم . فداواني حتّى رجع شعر رأسي إلى حالته . فلمّا فرغت من قراءة الزنجانيّ وأردت قراءة الكافية ، قصدت إلى قرية تسمّى كارون ونحن في قرية يقال لها الصباغيّة في شطّ المدك . فقرأت في تلك القرية عند رجل فاضل وأقمت عندهم . فكنت يوما في المسجد فدخل علينا رجل أبيض الثياب عليه عمامة كبيرة كأنّها قبّة صغيرة ، وهو يري الناس أنّه رجل عالم . فتقدّمت إليه وسألته بصيغة من صيغ الصرف ، فلم يردّ الجواب وتلجلج . فقلت له : إذا كنت لا تعرف هذه الصيغة ، فكيف وضعت على رأسك هذه العمامة الكبيرة ؟ فضحك الحاضرون وقام الرجل من ساعته . وهذا هو الذي شجّعني على حفظ صيغ الصرف وقواعده . وأنا أستغفر اللّه من سؤال ذلك الرجل المؤمن ، لكنّي أحمد اللّه على وقوع ذلك قبل البلوغ والتكاليف . فبقيت هناك كم من شهر ومضيت إلى شطّ يقال له نهر عنتر ، لأنّي سمعت أنّ به رجلا عالما وقد كان أخي المرحوم المغفور الفاضل الصالح الورع السيّد نجم الدين يقرأ عنده . فلمّا وصلت إليه ، لقيت أخي راجعا من عنده فرجعت معه إلى قريتنا . ثمّ قصدت قرية يقال لها شطّ بني أسد للقراءة على رجل عالم كان فيها . فبقيت هناك مدّة مديدة . ثمّ رجعت إلى قريتنا . فمضى أخي المرحوم ، وكان أكبر منّي إلى الحويزة . فقلت لوالدي : إنّي أريد السفر إلى أخي إلى الحويزة لأجل طلب العلم . فأتى بي إلى شطّ سحاب وركبنا في سفينة وأتينا من طريق ضيّق قد أحاط به القصب من الجانبين وليس فيه متّسع إلّا للسفينة . وكان الوقت حارّا . وهاج علينا من ذلك القصب بقّ كلّ واحدة منها مثل الزنبور