السيد نعمة الله الجزائري
12
عقود المرجان في تفسير القرآن
عنده لأجل دهن السراج حتّى أطالع . وكان لي درس أقرؤه على ضوء السراج آخر اللّيل في مسجد الجامع ، وهو في طرف آخر من البلاد ، وأقوم من هناك - وقد بقي من اللّيل بقيّة كثيرة - ومعي عصا وبين ذلك المنزل وبين المسجد أسواق كثيرة ، وفي آخر اللّيل وليس في شيء منها سراج بل كلّها مظلمة . والداهية العظيمة أنّ عند كلّ دكّان بقّال كلب يقرب من العجل لحراسة ذلك الدكّان . وكنت أجيء وحدي من ذلك المكان البعيد . فإذا وصلت إلى السوق ، لزمت جداره حتّى أهتدي إلى الطريق . وإذا وصلت إلى دكّان البقّال ، شرعت في قراءة الأشعار جهرا حتّى لا يظنّ الكلب أنّي سارق ، بل كان يظنّ أنّنا جماعة عابرين الطريق . وكنت عند كلّ دكّان أحتال على الكلب بحيلة حتّى أخلص منه . وبقيت على هذا برهة من الزمان . وكنت في مدرسة المنصوريّة وحجرتي فوق ولا كنت أحبّ أحدا يجيء إليّ ولا يمشي إلى قريب منها ، وكنت أحبّ الانفراد والوحدة . وبقيت على هذه الأحوال تلك المدّة . ثمّ كاتبني والدي ووالدتي وألحوّا عليّ في الوصول إلى الجزائر ، فمضيت إليهم أنا وأخي سنة موج الجزائر الأخير . لأنّ الموج الأوّل موج عواد . فلمّا وصلنا إلى الأهل ، فرحوا بنا لقدومنا ولأنّ كلّ من مضى من تلك البلاد رجع من غير علم . فقالت والدتي : ينبغي أن تتزوّجا حتّى أرضى عنكما . فقلت : إنّ علم الحديث والفقه قد بقي علينا قراءته . فقالت : لا بدّ أن تتزوّجا . وكان الحامل لها على هذا هو أنّا إذا تزوّجنا ألزمنا السكنى معها . فقبلنا كلامها وتزوّجنا . وبقيت بعد التزويج قريبا من عشرين يوما ، فمضيت إلى زيارة رجل فاضل في قرية يقال لها نهر صالح . فلمّا اجتمعنا وتباحثنا في العلوم العقليّة فقال لي : وا أسفا عليك ! كيف فاتك علم الحديث ؟ فقلت : وكيف فاتني علم الحديث ؟ قال : لقولهم : ذبح العلم في فروج النساء . فرماني في الغيرة فقلت له : واللّه - يا شيخ - لا أرجع إلى أهلي . وها أنا إذا قمت من مجلسك ، توجّهت إلى شيراز . فاستبعد قولي . فقمت منه وركبت في سفينة وأتيت إلى القرنة .