السيد نعمة الله الجزائري

108

عقود المرجان في تفسير القرآن

« ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ » . وكان بعد نوح عليه السّلام قد كثر السحر ، فبعث اللّه ملكين إلى نبيّ ذلك الزمان يذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم . فتلقّاه النبيّ عن الملكين وأدّاه إلى عباد اللّه بأمر اللّه ، وأمرهم أن يبطلبوا به السحر ونهاهم أن يسحروا به الناس . وهذا كما يدلّ على السمّ ما هو وعلى ما يدفع به غائلة السمّ . ثمّ قال : « وَما يُعَلِّمانِ » . يعني أنّ ذلك النبيّ أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين ويعلّمانهم ما علّمهما اللّه من ذلك . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ من ذلك السحر « حَتَّى يَقُولا » للمتعلّم : « إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ » وامتحان للعباد ليطيعوا اللّه فيما يتعلّمون من هذا ويبطلون كيد السحرة ولا يسحروهم . « فَلا تَكْفُرْ » باستعمال هذا السحر وطلب الإضرار به . « فَيَتَعَلَّمُونَ » . يعني طالبي السحر . « مِنْهُما » . يعني ما كتبت الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، يتعلّمون من هذين الصنفين « ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ » . هذا ما يتعلّم للإضرار بالناس . « إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » . يعني : بتخلية اللّه وعلمه وانّه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر . « ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ » لأنّهم إذ أضرّوا الناس بالسحر ، خرجوا من الدين . « وَلَقَدْ عَلِمُوا » . أي المتعلّمون للسحر . « مِنْ خَلاقٍ » ؛ أي : من نصيب من ثواب الجنّة . « يُعَلِّمُونَ » أنّهم قد باعوا أنفسهم بالعذاب ، ولكن لا يعلمون ذلك لكفرهم به . « 1 » « وَلكِنَّ » . ابن عامر وحمزة والكسائيّ بكسر النون مخفّفة [ ورفع بعدها ] . والباقون بالفتح مشدّدة ونصب ما بعدها . « 2 » « يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ » يقصدون به إضلالهم . « وَما أُنْزِلَ » . عطف على السحر . أي : ويعلّمونهم ما أنزل على الملكين . وقيل : هو عطف على ما تتلو . « 3 » « وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ » . هما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من اللّه للناس وتمييزا بينه وبين المعجزة . وما روي من أنّهما مثّلا بشرين وركّب فيهما الشهوة فتعرّضا لامرأة

--> ( 1 ) - عيون الأخبار 1 / 266 - 271 ، ح 1 . ( 2 ) - التيسير / 65 . ( 3 ) - الكشّاف 1 / 172 .