السيد نعمة الله الجزائري

106

عقود المرجان في تفسير القرآن

[ 100 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 100 ] أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) « أَ وَكُلَّما » . الهمزة للإنكار . واعلم أنّه دلّ بالآيتين على أنّ جلّ اليهود أربع فرق : فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب ؛ وهم الأقلّون المدلول عليهم بقوله : « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » . وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطّي حدودها تمرّدا وفسوقا ؛ وهم المعنيّون بقوله : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ » . وفرقة لم يجاهروا بنبذها لكن نبذوا لجهلهم بها ؛ وهم الأكثرون . وفرقة تمسّكوا بها ظاهرا ونبذوها حقيقة عالمين بالحال بغيا وعنادا ؛ وهم المتجاهلون . « 1 » أقول : من تتبّع أحوال المسلمين ، يرى أنّهم فعلوا بكتابهم من الإيمان به وعدمه ما فعلته اليهود بالتوراة . ولا آمن بالقرآن ظاهرا وباطنا إلّا من صدّق النبيّ وأهل بيته ؛ وهم الفرقة الناجية . « أَ وَكُلَّما عاهَدُوا » . المراد به العهد الذي أخذه الأنبياء عليهم أن يؤمنوا بالنبيّ الأمّيّ . وقيل : هي العهود التي كانت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير عاهدوا اللّه أن لا يعينوا عليه أحدا فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشا يوم الخندق . « بَلْ أَكْثَرُهُمْ » . أي المعاهدون لا الفريق ، لأنّهم كلّهم لا يؤمنون . « 2 » « أَ وَكُلَّما » . الواو للعطف على محذوف . معناه : أكفروا بالآيات . « نَبَذَهُ » . واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود . « 3 » [ 101 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 101 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) « كِتابَ اللَّهِ » . يعني التوراة . لأنّهم بكفرهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المصدّق لما معهم ، كافرون بها ، نابذون لها . وقيل : كتاب اللّه القرآن ؛ نبذوه بعد ما لزمهم تلقّيه بالقبول وراء ظهورهم .

--> ( 1 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 78 . ( 2 ) - مجمع البيان 1 / 328 . ( 3 ) - الكشّاف 1 / 171 .