الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
541
تفسير روح البيان
تفسير سورة الفلق خمس آيات مدينة بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الفلق الصبح لأنه يفلق عنه الليل ويفرق فهو من باب الحذف والإيصال فعل بمعنى مفعول كالصمد والقبض بمعنى المصمود اليه والمقبوض كمامر فان كل واحد من المفلوق والمفلوق عنه مفعول وذلك انما يتحقق بأن يكون الشيء مستورا ومحجوبا بآخر ثم يشقق الحجاب الساتر عن وجه المستور ويزول فيظهر ذلك المستور وينكشف بسبب زواله وذلك الحجاب المشقق مفلوق والمحجوب المنكشف بزواله مفلوق عنه والصبح صار مفلوقا عنه بإزالة ما عليه من ظلمة الليل يقال في المثل هو أبين من فلق الصبح والفلق أيضا الخلق لان الممكنات بأسرها كانت أعيانا ثابتة في علم اللّه مستورة تحت ظلمة العدم فاللّه تعالى فلق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد فاظهر ما في علمه من المكونات فصارت مفلوقا عنها وفي تعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعادة العائد مما يعوذ منه وانجائه منه وتقوية لرجائه لتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء اليه والإعاذة بربه قالوا إذا طلع الصبح تتبدل الثقلة بالخفة والغم بالسرور روى أن يوسف عليه السلام لما ألقى في الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل بإذن اللّه تعالى يسأله ويأمره بان يدعو ربه فقال يا جبريل ادع أنت وأؤمن فدعا جبريل وأمن يوسف عليهما السلام فكشف اللّه تعالى ما كان به من الضر فلما طاب وقت يوسف قال با جبريل وانا ادعو أيضا وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه ان يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل وعن بعض الصحابة رضى اللّه عنهم انه قدم الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم به من دنياهم فقال لا أبالي أليس من ورائهم الفلق فقيل وما الفلق قال بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ اى من شر ما خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار وبالفارسية از بدى آنچه آفريد است از مؤذيات انس وجن وسباع وهوام . فيشمل جميع الشرور والمضار بدنية كانت أو غيرها من ضرب وقتل وشتم وعض ولدغ وسحر ونحوها وإضافة الشر اليه لاختصاصه بعالم الخلق المؤسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها المتضادة المستنبعة للكون والفساد واما عالم الأمر فهو خير محض منزه عن شوآئب الشر بالكلية وقرأ بعض المعتزلة القائلين بأن اللّه لم يخلق الشر من شر بالتنوين ما خلق على النفي وهي قراء مردودة مبنية على مذهب باطل اللّه خالق كل شئ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولان تعيين المستعاذ أدل على الاعتناء بالاستعاذة