الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
474
تفسير روح البيان
القيامة وأول ما كتب القلم انا التواب أتوب على من تاب قال بعضهم وجه المناسبة بين الخلق من العلق وتعليم القلم أن أدنى مراتب الإنسان كونه علقة وأعلاها كونه عالما فاللّه تعالى امتن على الإنسان بنقله من أدنى المراتب وهي العلقة إلى أعلاها وهو تعلم العلم ثم اللّه الذي خلق الإنسان على صورته الحقيقية خلقه من علقة التجلي الأولي الحبى المشار اليه بقوله كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق فصارت المحبة الذاتية علقة بالإيجاد الحبى وهو أكرم الأكرمين إذ هو جامع محيط بجميع الأسماء الدالة على الكرم كالجواد والواهب والمعطى والرازق وغيرها عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ بدل اشتمال من علم بالقلم وتعيين للمفعول اى علمه به وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية ما لم يخطر بباله أصلا فان قلت فإذا كان القلم والخط من المنن الإلهية فما باله عليه السلام لم يكتب قلت لأنه لو كتب لقيل قرأ القرآن من صحف الأولين ومن كان القلم الأعلى يخدمه واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره لا يحتاج إلى تصوير الرسوم وتشكيل العلوم بآيات الجسمانية لأن الخط صنعة ذهنية وقوة طبيعية صدرت بالآلة الجسمانية وفيه إشارة بديعة إلى أن أمته بين الأمم هم الروحانيون وصفهم سبحانه في الإنجيل أمة محمد أناجيلهم في صدورهم لو لم يكن رسم الخطوط لكانوا يحفظون شرائعه عليه السلام بقلوبهم لكمال قوتهم وظهور استعداداتهم كَلَّا ردع لمن كفر بنعمة اللّه عليه بطغيانه وان لم يسبق ذكره للمبالغة في الزجر فيوقف عليه وقال السجاوندى يوقف على ما لم يعلم لأنه بمعنى حقا ولذا وضع علامة الوقف عليه إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى اى يتجاوز الحد ويستكبر على ربه بيان للمردوع والمردوع عنه قيل إن هذا إلى آخر السورة نزل في أبى جهل بعد زمان وهو الظاهر أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى مفعول له اى يطغى لأن رأى وعلم نفسه مستغنيا أو ابصر مثل أبى جهل وأصحابه ومثل فرعون ادعى الربوبية قال ابن مسعود رضى اللّه عنه منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا ولا يستويان اما طالب العلم فيزداد في رضى اللّه واما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان وتعليل طغيانه برؤيته لنفسه الاستغناء للايذان بأن مدار طغيانه زعمه الفاسد روى أن أبا جهل قال لرسول اللّه عليه السلام أتزعم أن من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا وتتبع دينك فنزل جبريل فقال ان شئت فعلنا ذلك ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول اللّه عن الدعاء ابقاء عليهم ورحمة وأول هذه السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال وكفى بذلك مرغبا في العلم والدين ومنفرا عن المال والدنيا وكان عليه السلام يقول اللهم إني أعوذ بك من غنى يطغى وفقر ينسى وفيه إشارة إلى أن الإنسان إذا رأى نفسه مظهر بعض صفات ربه وأسمائه يدعيها لنفسه ويظن أن تلك الصفات والأسماء الإلهية المودعة فيه بحكمة بالغة ملك له وهو مالكها فيعجب بها وبكمالاتها فيستغنى عن مالكها الذي أودعها فيه ليستدل بها على خالقه وبارئه إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى الرجعى مصدر بمعنى الرجوع والألف للتأنيث اى ان إلى مالك أمرك أيها الإنسان رجوع الكل بالموت