الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
419
تفسير روح البيان
يؤوب اوبا وإيابا رجع اى ان إلينا رجوعهم بالموت والبعث لا إلى أحد سوانا لا استقلالا ولا اشتراكا كما قال تعالى ألا إلى اللّه تصير الأمور واليه يرجع الأمر كله فتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة فإنه يفيد معنى أن يقال إن إيابهم ليس الا إلى الجبار المقتدر على الانتقام كما أن مبدأهم وصدورهم كان منه وفيه تخويف شديد فان رجوع العبد العاصي المصر إلى مالكه الغضوب في غاية الصعوبة ونهاية العسرة وجميع الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى من كما أن افراده فيما سبق باعتبار لفظها ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ في المحشر لا على غيرنا فنحن نحاسبهم على النقير والقطمير من نياتهم وأعمالهم وثم للتراخى في الرتبة لا في الزمان فان الترتب الزماني بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم اليه تعالى وحسابهم عليه تعالى فإنهما أمران مستمران قال أبو بكر بن طاهر رحمه اللّه ان إلينا إيابهم في الفضل ثم إن علينا حسابهم في العدل وقال البقلى رحمه اللّه انظر كيف تفضل بعد الوعيد بأن جعل نفسه مآبهم وتكفل بنفسه حسابهم فينبغي أن يعيشوا بهذين الفضلين أطيب العيش في الدارين ويطيروا من الفرح بهذين الخطابين . يقول الفقير ما قاله البقلى هو ما ذاقه العارفون بطريق المكاشفة فينبغي أن لا يغتر به العوام فإنه قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على اللّه تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية انما خف الحساب في الآخرة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وثقلت موازين قوم في الآخرة وزنوا نفوسهم في الدنيا ومحاسبة النفس تكون بالورع وموازنتها تكون بمشاهدة عين اليقين والتزين للعرض يكون بمخافة الملك الأكبر وعن علي رضى اللّه عنه اما بعد فان المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فما نالك من الدنيا فلا تكثرنه فرحا وما فاتك منها فلا تتبعنه أسفا وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ما خلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما بعد الموت وفي الحديث ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في اللّه لومة لائم ولا يرآئى بشئ من عمله وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا ولآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا وقال عليه السلام لو لم ينزل على الا هذه الآية لكانت تكفى ثم قرأ آخر سورة الكهف فمن كان يرجو لقاء ربه إلخ فكان هذا فصل الخطاب وبلاغا لأولى الألباب فالعمل الصالح الإخلاص بالعبادة ونفى الشرك بالخلق هو اليقين بتوحيد الخالق فما كان للّه اى خالصا لأجله وباللّه اى بمشاهدة قربه لا بمقارنة نفسه وهواه وفي اللّه اى سبيله وطلب ما عنده لا لأجل عاجل حظه فمقبول وأهله من المقربين وحسابهم حساب يسير بل لا حساب لهم تمت سورة الغاشية بعون اللّه ذي العطايا الفاشية في السابع عشر من شهر مولد النبي عليه السلام من سنة سبع عشرة ومائة وألف