الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

418

تفسير روح البيان

القلوب في الحقيقة امر ملكوتي وان ظهرت في الصورة ظهور الولد من الأبوين وأشار بالأرض إلى الأجساد السافلة وهي مؤخرة في المرتبة فاللّه تعالى سطح ارض البشرية والجسدانية لتكون مستقر النفوس وخلق النفوس لتكون مستوى القلوب وخلق القلوب لتكون عروش الروح بل السر بل الأخفى فما أحسن ترتيب هذه الآية وما أشد انتظام جملتها وتناسها فهي كالجمع بين كاتب وقلم وقرطاس ودواة واللّه تعالى أعلم فَذَكِّرْ الفاء لترتيب الأمر بالتذكير على ما ينبئ عنه الإنكار السابق من عدم النظر اى فاقتصر على التذكير ولا تلح عليهم ولا يهمنك انهم لا ينظرون ولا يتذكرون إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ تعطيل للامر بما أمرت به اى مبلغ وانما للهداية والتوفيق إلى اللّه تعالى لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ اى لست بمسلط عليهم تجبرهم على ما تريد كقوله تعالى وما أنت عليهم بجبار وأكثر القراء قرأوا بمصيطر بالصاد على القلب لمناسبة الطاء بعدها وقرئ بالسين على الأصل وبالاشمام بأن يخلط صوت الصاد بصوت الزاي بحيث يمتزجان فيتولد منهما حرف ليس بصاد ولا زاي وخلط حرف بحرف أحد معاني الإشمام في عرف القراء يقال سطر يسطر سطرا كتب والمسيطر والمصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله فأصله من السطر فالكتاب مسيطر والذي يفعله مسيطر وقال الراغب يقال سطر فلان على كذا أو تسطر عليه إذا قام عليه قيام سطر اى لست عليهم بقائم وحافظ واستعمال مسيطر هنا كاستعمال القائم في قوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت والحفيظ في قوله وما أنت عليهم بحفيظ انتهى إِلَّا مَنْ تَوَلَّى أعرض عن الحق أو عن الداعي اليه بعد التذكير وَكَفَرَ وثبت على الكفر أو أظهره وفي فتح الرحمن الا من تولى عن الايمان وكفر بالقرءان أو بالنعمة وفي التأويلات النجمية الامن تولى عن الحق بالإقبال على الدنيا وكفر أي ستر الحق بالخلق وهو استثناء منقطع ومن موصولة لا شرطية لمكان الفاء ورفع الفعل اى لكن من تولى وكفر فان للّه الولاية والقهر وهو المسيطر عليهم قالوا وعلامة كون الاستثناء متصلا محضا لا يحسن ذلك نحو عندي مائتان إلا درهما فلا يدخل عليه ان فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ الذي هو عذاب جهنم حرها شديد وقعرها بعيد ومقامعها من حديد وفي فتح الرحمن الأكبر عذاب جهنم والأصغر ما عذبوا به في الدنيا من الجوع والأسر والقتل ويؤيده ما قال الراغب في قوله يوم نبطش البطشة الكبرى فيه تنبيه على أن كل ما ينال الكافر من العذاب قبل ذلك في الدنيا وفي البرزخ صغير في جنب عذاب ذلك اليوم انتهى وأيضا قوله تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر فان المراد بالعذاب الأدنى هو العذاب الأصغر الدنيوي لا البرزخي لقوله تعالى بعده لعلهم يرجعون فان الرجوع انما يعتبر في الدنيا لا في البرزخ وفيما بعد الموت فيكون المراد بالعذاب الأكبر هو العذاب الأخروي واليه ينظر قوله تعالى يصلى النار الكبرى كما سبق وفي تأويلات النجمية العذاب الأكبر هو عذاب الاستتار في الدنيا وعذاب نار الهجران في الآخرة إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر يقال آب