الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
333
تفسير روح البيان
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى اى حال كونه مسرعا طالبا لما عندك من احكام الرشد وخصال الخير وَهُوَ والحال انه يَخْشى اللّه تعالى أو يخشى الكفار وإذا هم إتيانك قال سعدى المفتى الظاهر أن النظم من الاحتباك ذكر الغنى أولا للدلالة على الفقر ثانيا والمجيء والخشية ثانيا للدلالة على ضدهما أولا فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى بحذف احدى التاءين تخفيفا اى تتلهى وتتشاغل من لهى عن الشيء بكسر الهاء يلهى لهيا اعرض عنه لا من لهوت بالشيء بالفتح ألهو لهوا إذا لعبت به لان الفعل مسند إلى ضمير النبي ولا يليق بشأنه الرفيع أن ينسب اليه التفعل من اللهو بخلاف الاشتغال عن الشيء لمصلحة وفي بعض التفاسير ولو أخذ من اللهو وجعل التشاغل بأهل التغافل من جنس اللهو واللعب لكونه عبثا لا يترتب عليه نفع لم يخل عن وجه انتهى وفيه انه يلزم منه أن يكون الاشتغال بالدعوة عبثا ولا يقول به المؤمن وذلك لأنه لا يجوز للنبي عليه السلام التشاغل بأهل التغافل الا بطريق التبليغ والإرشاد فكيف لا يترتب عليه نفع وفي تقديم ضميره عليه السلام وهو أنت على الفعلين تنبيه على أن مناط الإنكار خصوصيته عليه السلام أي مثلك خصوصا لا ينبغي ان يتصدى للمستغنى ويتلهى عن الفقير الطالب للخير وفي تقديم له وعنه للتعريض باهتمامه عليه السلام بمضونهما تنبيه حيث أفادت القصة ان العبرة بالأرواح والأحوال لا بالأشباح والأموال والعزيز من أعزه اللّه بالايمان والطاعة وان كان بين الناس ذليلا والذليل من اذله اللّه بالكفر والمعصية وان كان بين الناس عزيزا روى أنه عليه السلام ما عبس بعد ذلك في وجه فقير قط ولا تصدى لغنى وكان الفقراء في مجلسه عليه السلام أمراء يعنى كان يحترمهم كل الاحترام وفيه تأديب للصغير بالكبير فحملة الشرع والعلم والحكام مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري عن الخير بمثل ما خوطب به النبي عليه السلام في هذه السورة قال بعضهم بين اللّه درجة الفقر وتعظيم أهله وخسة الدنيا وتحقير أهلها فصح الاشتغال بصحبة الفقراء لان فيم نعت الصدق والتجرد فالصحبة معهم مفيدة بخلاف الاشتغال بصحبة الأغنياء إذ ليس فيهم ذلك فالصحبة معهم ضائعة وفي الحديث ( من تحامل على فقير لغنى فقد هدم ثلث دينه ) يقال تحاملت على الشيء إذا تكلفت الشيء على مشقة وتحامل فلان على فلان إذا لم يعدل وقال بعض الأكابر انما كان صلى اللّه عليه وسلم يتواضع لاكابر قريش لان الأعزاء من الخلائق مظاهر العزة الإلهية فكان تقديمهم على الفقراء من أهل الصفة ليوفى صفة الكبرياء حقها إذا لم يشهد لها مشاركا ولكن فوق هذا المقام ما هو أعلى منه وهو ما امره اللّه به آخرا بعد ما صدر سورة عبس في قوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى الآية فأمره بأن لا يشهده في شئ دون شئ للاطلاق الذي هو الحق عليه كما قال جعت فلم تطعمنى وظمئت فلم تسقني الحديث كما في الجواهر للشعرانى كَلَّا انزجر من التصدي للمستغنى والاعراض عن ارشاد المسترشد قال الحسن لما تلا جبرائيل هذه الآيات على النبي عليه السلام عاد وجهه كأنما استف فيه الرماد اى تغير كأنما ذر عليه الرماد ينتظر ما يحكم اللّه عليه فلما