الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
311
تفسير روح البيان
والأحوال من حيث الوجد والوجد من حيث الكشف والكشف من حيث المشاهدة والمشاهدة من حيث المعاينة فهو مأذون في الدنيا والآخرة يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ينقذ اللّه به الخلائق من ورطة الهلاك قال ابن عطاء الخالص ما كان للّه والصواب ما كان على وجه السنة وقال بعضهم انما تظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم واما الخواص وأصحاب الحضور فهم ابدا بمشهد العز بنعت الهيبة وفيه إشارة الا ان الاسرار والقلوب وقواهم الكائنين بين سماوات الأرواح وبين ارض النفوس لا يملكون أن يخاطبوا الحق في شفاعة النفس الامارة والهوى المتبع بسبب لحمة النسب الواقع بينهم إذ الكل أولاد الروح والقالب كما لم يملك نوح عليه السلام أن يخاطب الحق في حق ابنه كنعان بمعنى انه لم يقدر على انجائه إذ جاء الخطاب بقوله فلا تسألن ما ليس لك به علم ذلِكَ إشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده اى ذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الروح والملائكة مصطفين غير قادرين هم ولا غير هم على التكلم من الهيبة والجلال الْيَوْمُ الْحَقُّ اى الثابت المتحقق لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه وذلك لأنه متحقق علما فلا بد أن يكون متحققا وقوعا كالصباح بعد مضى الليل وفيه إشارة إلى أنه واقع ثابت في جميع الأوقات والأحايين ولكن لا يبصرون به لاشتغالهم بالنفس الملهية وهواها الشاغل فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة في تعلقه بها حسب القاعدة المستمرة وإلى ربه متعلق بمآبا قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاه أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالايمان والطاعة وقال قتادة مآبا اى سبيلا وتعلق الجارية لما فيه من معنى الاقتضاء والإيصال وفي التأويلات النجمية مآبا اى مرجعا ورجوعا من الدنيا إلى الآخرة ومن الآخرة إلى رب الدنيا ولآخرة لأنهما حرامان على أهل اللّه إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ اى بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وبما بعده من الدواعي أو بها وبسائر القوارع الواردة في القرآن والخطاب لمشركي العرب وكفار قريش لأنهم كانوا ينكرون البعث وفي بعض التفاسير الظاهر عموم الخطاب كعموم من لان في إنذار كل طائفة فائدة لهم عَذاباً قَرِيباً هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق إتيانه حتما ولأنه قريب بالنسبة اليه تعالى وممكن وان رأوه بعيدا وغير ممكن فيرونه قريبا لقوله تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الاعشية أو ضحاها وقال بعض أهل المعرفة العذاب القريب هو عذاب الالتفات إلى النفس والدنيا والهوى وقال الشاقانى هو عذاب الهيئات الفاسقة من الأعمال الفاسدة دون ما هو أبعد منه من عذاب القهر والسخط وهو ما قدمت أيديهم يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ تثنية أصلها يدان سقطت نونها بالإضافة ويوم بدل من عذابا أو ظرف لمضمر هو صفة له اى عذابا كائنا يوم ينظر المرء اى يشاهد ما قدمه من خير أو شر يعنى بازيابد كردارهاى