الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

310

تفسير روح البيان

اى بعتك يعنى انه صلة خطابا قدم عليه فانقلب بيانا والمعنى لا يملكون ان يخاطبوه تعالى من تلقاء أنفسهم كما ينبئ عنه لفظ الملك إذ المملوك لا يستحق على مالكه شيأ خطابا ما في شئ ما لتفرده بالعظمة والكبرياء وتوحده في ملكه بالأمر والنهى والخطاب والمراد نفى قدرتهم على أن يخاطبوه تعالى بشئ من نقص العذاب وزيادة الثواب من غير اذنه على أبلغ وجه وأكده كأنه قيل لا يملكون ان يخاطبوه بما سبق من الثواب والعقاب وبه يحصل الارتباط بين هذه الآية وبين ما قبلها من وعيد الكفار ووعد المؤمنين ويظهر منه ان نفى ان يملكوا خطابه لا ينافي الشفاعة باذنه قال القاشاني لأنهم اى أهل الافعال لم يصلوا إلى مقام الصفات فلا حظ لهم من المكالمة يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا اخر الملائكة هنا تعميما بعد التخصيص واخر الروح في القدر تخصيصا بعد التعميم فالظاهر أن الروح من جنس الملائكة لكنه أعظم منهم خلقا ورتبة وشرفا إذ هو بمقابلة الروح الإنساني كما أن الملائكة بمقابلة القوى الروحانية ولا شك ان الروح أعظم من قواه التابعة له كالسلطان مع أمرائه وجنده ورعاياه وتفسير الروح بجبريل ضعيف وان كان هو مشتهرا بكونه روح القدس والروح الأمين إذ كونه روحا ليس بالنسبة إلى ذاته والا فالملائكة كلهم روحانيون وان كانوا أجساما لطيفة غير الأرواح المهمية وانما هو بالنسبة إلى كونه نافخ الروح وحامل الوحي الذي هو كالروح في الاحياء وقد اتفقوا على أن إسرافيل أعظم من جبريل ومن غيره فلو كان أحد يقوم صفا واحدا لكان هو إسرافيل دون جبرائيل واللّه اعلم بمراده من الروح وان اختلفت الروايات فيه هذا ما لاح لي في هذا المقام بعون الملك العلام وصفا حال اى مصطفين لكثرتهم وقيامهم مما امر اللّه في امر العباد وقيل هما صفان الروح صف والملائكة صف وقيل صفوف وهو الأوفق لقوله تعالى والملائكة صفا صفا ويوم ظرف لقوله تعالى لا يَتَكَلَّمُونَ وقوله تعالى إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً بدل من ضمير لا يتكلمون العائد إلى أهل السماوات والأرض الذين من جملتهم الروح والملائكة وهو أرجح لكون الكلام غير موجب والمستثنى منه مذكور وفي مثله يختار البدل على الاستثناء وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة إلى مقطعها والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى لا يتكلمون إلخ ومؤكد له على معنى ان أهل السماوات والأرض إذا لم يقدروا يومئذ على أن يتكلموا بشئ من جنس الكلام الا من اذن اللّه له منهم في التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا اى حقا صادقا أو واقعا في محله من غير خطأ في قوله فكيف يملكون خطاب رب العزة مع كونه أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراما وقيل الا من اذن إلخ منصوب على أصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون الا في حق شخص اذن له الرحمن وقال ذلك الشخص صوابا اى حقا هو التوحيد وكلمة الشهادة دون غيره من أهل الشرك فإنهم لم يقولوا في الدنيا صوابا بل تفوهوا بكلمة الكفر والشرك واظهار الرحمن في موقع الإضمار للايذان بأن مناط الاذن هو الرحمة البالغة لان أحدا يستحقه عليه تعالى وفي عرائس البقلى من كان كلامه في الدنيا من حيث الأحوال