الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

307

تفسير روح البيان

أحصيناه أحصاه وكتبناه كتابا أو هو اى كتابا حال بمعنى مكتوبا في اللوح وفي صحف الحفظة والجملة اعتراض لتوكيد كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات بأنهما محفوظان للمجازاة قال القاشاني وكل شئ من صور أعمالهم وهيئات عقائدهم ضبطناه ضبطا بالكتابة عليهم في صحائف نفوسهم وصحائف النفوس السماوية فَذُوقُوا پس بچشيد عذاب دوزخ فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً فوق عذابكم والفاء في فذوقوا جزائيه دالة على أن الأمر بالذوق مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومعلل به فيكون وكل شئ إلخ جملة معترضة بين السبب ومسببه تؤكد كل واحد من الطرفين لأنه كما يدل على كون معاصيهم مضبوطة مكتوبة يدل على أن ما يتفرع عليها من العذاب كائن لا محالة مقدر على حسب استحقاقهم به وفي الالتفات المنبئ عن التشديد في التهديد وإيراد لن المفيدة لكون ترك الزيادة من قبيل ما لا يدخل تحت الصحة من الدلالة على تبالغ الغضب ما لا يخفى وقد روى عن النبي عليه السلام ان هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار اى لان فيها الإياس من الخروج فكلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه فتكون كل مرتبة منه متناهية في الشدة وان كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة وهذا لا يخالف قوله تعالى ولا يكلمهم اللّه لان المراد بالمنفي التكلم باللطف والإكرام لا بالقهر والجلال فان قيل هذه الزيادة ان كانت غير مستحقة كانت ظلما وان كانت مستحقة كان تركها في أول الأمر إحسانا والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه فالجواب انها مستحقة ودوامها زيادة لثقل العذاب وأيضا ترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والاسقاط حتى يكون إيقاعه بعده رجوعا في الإحسان وأيضا كانوا يزيدون كفرهم وتكذيبهم واذيتهم للرسول عليه السلام وأصحابه رضى اللّه عنهم فيزيد اللّه عذابهم لزيادة الاستحقاق فلا ظلم فان قيل قوله فذوقوا إلخ تكرار لأنه ذكر سابقا انهم لا يذوقون إلخ قلنا إنه تكرار لزيادة المبالغة في تقرير الدعوى وهو كون العقاب جزاء وفاقا إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً شروع في بيان محاسن أحوال المؤمنين اثر بيان سوء أحوال الكفرة على ما هو العادة القرآنية ووجه تقديم بيان حالهم غنى عن البيان اى ان للذين يتقون الكفر وسائر القبائح من اعمال الكفرة فوزا وظفرا بمباغيهم دل على هذا المعنى تفسيره بما بعده بقوله حدائق إلخ أو موضع فوز فالمفاز على الأول مصدر ميمى وعلى الثاني اسم مكان فان قيل الخلاص من الهلاك أهم من الظفر باللذات فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم قلنا لان الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز بالنعيم لكونه حاصلا لأصحاب الأعراف مع أنهم غير فائزين بالنعيم بخلاف الفوز بالنعيم فإنه يستلزم الخلاص من هلاك فكان ذكره أولى حَدائِقَ وَأَعْناباً اى بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة وكروما وهو تخصيص بعد التعميم لفضلها قوله حدائق بدل من مفازا بدل الاشتمال ان كان مصدرا ميميا لان الفوز يدل عليه دلالة التزامية أو البعض ان جعل مكانا جمع حديقة وهي الروضة ذات الأشجار ويقال الحديقة كل بستان عليه حائط أي جدار وفيه من النخل والثمار وفي المفردات الحديقة قطعة من الأرض ذات