الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

104

تفسير روح البيان

المحيط بالمحيطات المقول فيه ما فرطنا في الكتاب من شئ وهو كتاب ينطوى على العلوم الجمة المنطوى عليها أيضا مداد النون وتشتمل على مائة واربع عشرة سورة كما اشتمل النون على عدد يطابقها فان النونين والواو والألف الذي انتهى اليه اسم النون مائة وثلاثة عشر وكون مسماه حرفا واحدا متمم لأربعة عشر فاعلم ذلك فإنه دقيق قل أن تجده في كلام أحد انتهى وقال القاشاني ن هو النفس الكلية والقلم هو العقل الكلى والأول من باب الكناية بالاكتفاء من الكلمة بأول حروفها والثاني من باب التشبيه إذ تنتقش في النفس صور المو - جودات بتأثير العقلي كما تنتقش الصور في اللوح بالقلم وما يسطرون من صور الأشياء وماهياتها وأحوالها المقدرة على ما تقع عليه وفاعل ما يسطرون الكتبة من العقول المتوسطة والأرواح المقدسة وان كان الكاتب في الحقيقة هو اللّه تعالى لكن لما كان في حضرة الأسماء نسب إليها مجازا اقسم بهما وبما يصدر عنهما من مبادى الوجود وصور التقدير الإلهي ومبدأ امره ومخزن غيره لشرفهما وكونهما مشتملين على كل الوجود في أول مرتبة التأثير والتأثر ولمناسبتهما للمقسم عليه وهو قوله ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ جواب القسم والباء متعلقة بمضمر هو حال من الضمير في خبر ما وهو مجنون والعامل فيها معنى النفي والجنون حائل بين النفس والعقل وجن فلان اى أصابه الجن أو أصاب جنانه أو حيل بين نفسه وعقله فجن عقله ذلك كأنه قيل انتفى عنك الجنون يا محمد وأنت برئ منه ملتبسا بنعمة اللّه التي هي النبوة والرياسة العامة والمراد تنزيهه عليه السلام عما كانوا ينسبونه عليه السلام اليه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة مع جزمهم بأنه عليه السلام في غاية الغايات من حصافة العقل ورزانة الرأي قال أبو حيان قوله بنعمة ربك قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم عنه عليه السلام وذهب إلى القسم أيضا حضرة الشيخ نجم الدين في تأويلاته روى أنه عليه السلام غاب عن خديجة رضى اللّه عنها إلى حرآء فلم تجده فإذا هو قد طلع ووجهه متغير بلا غبار فقالت له مالك فذكر نزول جبرائيل عليه السلام وأنه قال له اقرأ باسم ربك فهو أول ما نزل من القرآن قال ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ثم صلى وصليت معه ركعتين وقال هكذا الصلاة يا محمد فذكر عليه السلام ذلك الخديجة فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد حالف دين قريش ودخل في النصرانية فسألته فقال ارسلينى إلى محمد فأرسلته فأباه فقال هل أمرك جبرائيل ان تدعو أحد فقال لا فقال واللّه لئن بقيت إلى دعوتك لانصرتك نصرا عزيزا ثم مات قبل دعاء الرسول عليه السلام ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا انه مجنون فأقسم اللّه تعالى على أنه ليس بمجنون وهو خمس آيات من أول هذه السورة قال ابن عباس رضى اللّه عنهما أول ما نزل قوله سبح اسم ربك وهذه الآية هي الثانية وفي التأويلات النجمية ما أنت بنعمة ربك بمستور عما كان من الأزل وما سيكون إلى الأبد لان الجن هو الستر وما سمى الجن جنا الا لاستتاره من الانس بل أنت عالم بما كان خبير بما سيكون ويدل على إحاطة علمه قوله عليه السلام فوضع كفه على كتفي فوجدت