الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

421

تفسير روح البيان

حتى لو كان المشاهد في العالم الا على وفي اللوح المحفوظ بل في علم اللّه تعالى مما تتعلق مشيئة اللّه بمشاهدة أحد إياه من عباده لشاهده في آن واحد وقد يشاهد الممتنع والمحال وغير المتناهي بنوع مشاهدة كما نجده في وجداننا وكل ذلك من غرائب صنع اللّه وجعل البعض البصر هاهنا مجازا عن المشاهدة لأنه كثيرا ما يكون آلة لمشاهدتها ويكون هو معتبرا باعتبارها حتى لو لاها يكون هو في حكم المفقود وبهذا الاعتبار أورد الابصار في مقام البصائر فقال في تفسيره فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم يا ذوى العقول والبصائر وهذا هو الأليق بشأن الاتعاظ والأوفق لقوله تعالى فاعتبروا يا أولى الألباب إذا للب وهو العقل الخالص عن الكدورات البشرية والبصيرة التي هي عين القلب حين ما كانت مجلوة خاصة بالعقلاء اللائقين للخطاب بالأمر بالاعتبار واما البصر فيوجد في البهائم والبصيرة الغير المجلوة فتوجد في العوام وجعله البعض الآخر على حقيقته فقال في تفسيره فاعتبريا من عاين تلك الوقائع لكن مآل القولين واحد إذ مجرد البصر المعاين لا يفيد الاعتبار بلا بصيرة صحيحة وفي الوسيط معنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه من لم يعتبر بالمعاينة استغنى عن الموعظة وقد استدل بالآية على حجية القياس من حيث إنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له كما فصل في الكتب الأصولية وأشار بأهل الكتاب إلى يهودي النفس ونصراني الهوى وانما نسبنا التنصر إلى الهوى والتهود إلى النفس لغلبة عطلة النفس فان الهوى بالنسبة إلى النفس كالروح بالنسبة إلى الجسم البدني ولهذا المعنى قيل الهوى روح النفس ينفخ فيها هوى الشهوات الحيوانية ويهوى إلى هاوية الجحيم واللّه تعالى يستأصلها من ديار صفاتها الظلمانية بالصدمة الأولى من قتال الحشر الأول وظنوا ان حصون طباعهم الرديئة تمنعهم عن الانسلاخ من صفاتهم الخسيسة فأتاهم اللّه بالتجلي القهري وقذف في قلوب النفس والهوى رعب المفارقة بينهما فان كل واحد منهما كان متمسكا بالآخر تمسك الروح بالبدن وقيام البدن بالروح يخربون بيوت صفاتهم بأيدي أهوائهم المضلة وبقوة أيدي الروح والسر والقلب لغلبة نوريتهم عليها فاعتبروا يا أولى الابصار الذين صار الحق تعالى بصرهم كما قال في يبصر وبي يسمع وبي يبطش الحديث بطوله وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ حكم عَلَيْهِمُ اى على بنى النضير الْجَلاءَ اى الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع وقد سبق الكلام في الجلاء ولولا امتناعية وما بعدها مبتدأ فان أن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن المقدر اى ولولا أنه وكتب اللّه خبرها والجملة في محل الرفع بالابتداء بمعنى ولولا كتاب اللّه عليهم الجلاء واقع في علمه أو في لوحه لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة من اليهود قال بعضهم لما استحقوا بجرمهم العظيم قهرا عظيما أخذوا بالجلاء الذي جعل عديلا لقتل النفس لقوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم ان اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلى قليل منهم مع أن فيه احتمال ايمان بعضهم بعد مدة وايمان من يتولد منهم وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ استئناف غير متعلق بجواب لولا إذ لو كان معطوفا