الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
335
تفسير روح البيان
فينبغي تلقى التجليات الواردة من قبل الحق بهيئة المحل كما أن النبي عليه السلام كشف رأسه وهيأ محل نزول المطر وذلك لان المطر ينزل من العلو فيلقى على أعلى شيء في الإنسان وهو الرأس أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ الإيراء آتش از آتش زنه بيرون كردن اى تقدحونها وتستخرجونها من الزناد والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى الزند والأسفل الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة يقال ناقة طروقة اى بلغت أن يضربها الفحل لان الطرق الضرب أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي منها الزناد وهي المرخ والعفار كما مر في صورة يس أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ لها بقدرتنا نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً استئناف مبين لمنافعها اى جعلنا نار الزناد تذكير النار جهنم من حيث عقلنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا ما أوعدوا به من نار جهنم أو تذكرة وموعظة وأنموذجا من جهنم لما روى عن النبي عليه السلام ( ناركم هذه التي يوقدها بنوا آدم جزؤ من سبعين جزأ من حر جهنم ) وقيل تبصرة في امر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب وفي عين المعاني وهو حجة على منكري عذاب القبر حيث تضمن النار مالا يحرق ظاهره وَمَتاعاً ومنفعة وبلغة لان حمل النار يشق لِلْمُقْوِينَ للذين ينزلون القواء بالفتح وهو القفر الخالي عن الماء والكلاء والعمارة وهم المسافرون وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها ليهرب منها السباع ويسطلوا من البرد ويجففوا ثيابهم ويصلحوا طعامهم فان المقيمين أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي يقال أقوى الرجل إذا نزل في الأرض القواء كأصحر إذا دخل في الصحراء وفي الحديث ( قال النبي عليه السلام لجبريل مالي أر ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار ) وعن انس رضى اللّه عنه يرفعه ان أدنى أهل النار عذابا الذي يجعل له نعلان يغلى منهما دماغه في رأسه وفيه بيان شدة نار جهنم وانها ليست كنار الدنيا وقانا اللّه وإياكم منها وفي الآية إشارة إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوك طريق الحق وشجرتها هي العناية الإلهية السر مدية يدل هذا التأويل قول العارف أبى الحسين المنصور قدس سره حين سئل عن حقيقة المحبة هي العناية الإلهية السر مدية لولاها ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان نحن جعلناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية ليهتدوا بنورها إلى سلوك طريق الحق ومتاعا للمقوين اى غذآء لأرواح المحبين الطاوين أياما وليالي عن الطعام والشراب كما حكى عن سهل التستري رحمه اللّه انه كان يطوى ثلاثين يوما وعن أبي عقيل المغربي قدس سره انه ما أكل سنتين وهو مجاور بمكة وعن كثير من المرتاضين السالكين وانما رفع إدريس عليه السلام إلى السماء الرابعة لمبالغته في التجريد والترويح حتى أن الروحانية غلبت عليه فخلع يدنه وخالط الملائكة واتصل بروحانية الا فلاك وترقى إلى عالم القدس وقد اقامه ستة عشر عاما لم ينم ولم يطعم شيأ ولم يتزوج قط لزوال الشهوة بالكلية حتى صار عقلا مجردا من كثرة الرياضة ورفع إلى أعلا الأمكنة وهو المكان الذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشمس ثم