الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
256
تفسير روح البيان
هاتين الحقيقتين وَأَنَّ عَلَيْهِ اى على اللّه تعالى النَّشْأَةَ الْأُخْرى اى الخلقة الأخرى وهو الاحياء بعد الموت وفاء بوعده لا لأنه يجب على اللّه كما يوهمه ظاهر كلمة على وفيه تصريح بأن الحكمة الإلهية اقتضت النشأة الثانية الصورية للجزاء والمكافأة وإيصال المؤمنين بالتدريج إلى كما لهم اللائق بهم ولو أراد تعجيل أجورهم في هذه الدار لضاقت الدنيا بأجر واحد منهم فما ظنك بالباقي ومن طلب تعجيل نتائج اعماله وأحواله في هذه الدار فقد أساء الأدب وعامل الموطن بما لا يقتضيه حقيقته واما إذا استقام العبد في مقام عبوديته وعجل له الحق نتيجة ما أو كرامة فان من الأدب قبولها ان كانت مطهرة من شوآئب الحظوظ وبالجملة فالخير فيما اختاره اللّه لك ثم إن النشأة الأخرى الصورية مترتبة على كمال الفناء الصوري مع الاستعداد والتهيؤ لقبول الروح فكذا النشأة الأخرى المعنوية وهي البقاء والاتصاف بالصفات الإلهية موقوفة على تمام الفناء المعنوي والانسلاخ عن الأوصاف البشرية بالكلية مع الاستعداد والتهيؤ لقبول الفيض وبالجملة فلا بد في كلتا النشأتين من صحة المزاج ألا ترى ان الجنين إذا فسد في الرحم سقط بل الرحم إذا فسدت لم تقبل العلوق وإلى الولادة الثانية التي هي النشأة الأخرى أشار عيسى عليه السلام بقوله لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين ومعنى ملكوت السماوات حقائقها وأنوارها واسرارها فكل نبي وولى وارث متحقق بهذا الولوج والولادة الثانية وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى اعطى الغنى للناس بالأموال وَأَقْنى واعطى القنية وهي ما يتأثل من الأموال اى يتخذ أصلا ويدخر بان يقصد حفظه استثمارا واستنماء وان لا يخرج عن ملكه وفي المثل لا تقتن من كلب سوء جروا يقال قنوت الغنم وغيرها وقنيتها قنية وقنية إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة وفي تاج المصادر الإقناء سرمايه دادن وخشنود كردن قال بعضهم اغنى الناس بالكفاية والأموال واعطى القنية وما يدخرونه بعد الكفاية وقال الضحاك اغنى بالذهب والفضة والثياب والمسكن واقنى بالإبل والبقر والغنم والدواب وافراد القنية بالذكر اى بعد قوله اغنى لأنها اشرف الأموال وأفضلها أو معنى اقنى ارضى وتحقيقه جعل الرضى له قنية والأوفق لما تقدمه من الآي المشتملة على مراعاة صنعة الطباق ان يحمل على معنى أفقر على أن تكون الهمزة ى في اقنى للارالة كما قاله سعدى المفتى قال الجنيد قدس سره اغنى قوما به وأفقر قوما منه وقال بعضهم فيه إشارة إلى إفاضة الفيض الإلهي على القلب السليم المستقيم الثابت على دين اللّه كما قال عليه السلام اللهم ثبت قلبي على دينك وابقاء ذلك الفيض الإلهي عليه بحيث لا يستهلك الفيض ولا يضمحل تحت غلبة ظلمة النفس الامارة بالسوء لتمكن ذلك القلب وعدم تلونه بخلاف القلب المتلون فإنه لعدم تمكنه في بعض الأوقات يتكدر بظلمة النفس ويزول عنه ذلك النور المفاض عليه المضاف اليه وهو المعنى بقوله اقنى اى جعل فيه ذلك النور قنية ثم إن الآية دلت على إباحة التأثل من الأموال النافعة دون غيرها ولذا نهى عن اقتناء الكلب اى إمساكه بلا فائدة من جهة حفظ الزرع أو الضرع أو نحو ذلك والنفس الامارة أشد من الكلب العقور ففي اقتناء الروح النامي مندوحة عن اقتنائها ابتر عقيم لا خير فيها