الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

212

تفسير روح البيان

قائم بالحق خارج عن الطبع كما اخبر عن نفسه الشريفة القدسية بقوله لست كأحدكم أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني وهذا يدل على قيامه بالحق وخروجه عن الطبع وأحكامه انتهى يقول الفقير امده اللّه القدير لفظ النجم نون هي خمسون بحساب أبجد وجيم هي ثلاثة فالمجموع ثلاثة وخمسون وميم هي أربعون فأشار إلى أن النبي عليه السلام بعث عند الأربعين وجعل خاتم الأنبياء والمرسلين ومكث في مكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة والمجموع ثلاثة وخمسون وقد سماه اللّه تعالى بالنجم في هذه الآية كما سماه سراجا منيرا في آية أخرى لأنه يستضاء بنور وجهه وضياء علمه وهداه وهوى هذا النجم العالي غروبه من مكة بعد المدة المذكورة وهجرته إلى المدينة ولذا اقسم اللّه على عدم ضلاله وغيه لأنه في غروبه ذلك وحركته راشد مهدى حيث كان بأمر اللّه تعالى واذنه فلما غرب من مكة اظلمت الدنيا على قريش وصاروا في ظلمة شديدة ولما طلع على المدينة أشرقت الأرض على المؤمنين حتى أنهم وقعوا في البدر التام في السنة الثانية من الهجرة حيث نورهم اللّه تحت لواء حبيبه بنور النصرة على الأعداء ببدر وصار حال الأعداء إلى ظلمة العدم وبهذا يظهر سر قوله تعالى وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون وسر قوله عليه السلام لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللّه اللّه اى ينقطع أهل الذكر المتصل وكان هو النبي عليه السلام في مكة وبخروجه عنها بمفارقته عن ارضها واصرار القوم على الشرك والعناد وقع عليهم الطامة الكبرى ببدر كما تقوم الساعة عند انقطاع أهل الذكر الدائم من الأرض ففيه الناس يعنى الناسين لا يعرفون قدر أهل الذكر والحضور فيما بينهم بل يعادونهم ويؤذونهم مع أن في ذلك هلاكهم لأنهم ملكوتهم وبانقطاع الملكوت والأرواح عن الملك والأجسام يزول الملك وتخرب الأجسام لانقطاع سبب البقاء ومن هنا قالوا إن للّه رجالا متصرفين في أقطار الدنيا ولو في دار الحرب قانه لا بد للوجود من فيض البقاء والامداد أمدنا اللّه وإياكم بمزيد فضله وجوده وشرفنا بوصاله وشهوده بحرمة النجم وهويه وسجوده أمين أمين وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى يقال نطق ينطق نطقا ومنطقا ونطوقا تكلم بصوت وحروف يعرف بها المعاني كما في القاموس فلا يستعمل في اللّه تعالى لان التكلم بالصوت والحروف من خواص المخلوق والهوى مصدر هويه من باب علم إذا أحبه واشتهاه ثم غلب على الميل إلى الشهوات والمستلذات من غير داعية الشرع ومنه قيل صاحب الهوى للمبتدع لأنه مائل إلى ما يهواه في امر الدين فالهوى هو الميل المخصوص المذموم ولهذا نهى اللّه أنبياءه فقال لداود عليه السلام ولا تتبع الهوى ولنبينا عليه السلام ولا تتبع أهواءهم ولم يمل أحد من الأنبياء اليه بدليل قوله عليه السلام ما اطلى نبي قط يقال اطلى الرجل إذا مال إلى هواه ( حكى ) عن بعض الكبار أنه قال كنت في مجلس بعض الغافلين فتكلم إلى أن قال لا مخلص لاحد من الهوى ولو كان فلانا عنى به النبي عليه السلام حيث قال حبب إلى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة فقلت له اما تستحيي من اللّه تعالى فإنه ما قال أحببت بل قال حبب فكيف يلام العبد على ما كان