الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

126

تفسير روح البيان

أنا بمعذب للعبيد بغير ذنب من قبلهم والتعبير عنه بالظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما مفرطا لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصوير بصورة ما يستحيل صدوره عنه من الظلم وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بأبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم وقيل هي لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده وظالم لعبيده على أنها مبالغة كما لا كيفا وقال بعضهم يفهم من ظاهر العبارة جواز الظلم المحال منه تعالى إذا النفي مسلط على القيد الذي هو الظلامية والجواب على ما اختاره كثير من المحققين ان المبالغة مسلطة على النفي لا على القيد كما في قوله ما انا يكذوب يعنى ان أصله ليس بظالم ثم نقل مع نفيه إلى صيغة المبالغة فكانت المبالغة راجعة إلى النفي على معنى ان الظلم منفى عنه نفيا مؤكدا مضاعفا ولو جعل النفي داخلا على صيغة المبالغة بأن ضعف ظالم بدون نفيه ثم أدخل عليه النفي لكان المعنى ان ضعف الظلم منفى عنه تعالى ولا يلزم منه نفى أصله واللّه تعالى منزه عن الظلم مطلقا يقول اللّه تعالى انى حرمت الظلم على نفسي وحرمته على عبادي فلا تظالموا ويقول اللّه تعالى اشتد غضبى على من ظلم من لا يجد ناصرا غيرى وعن بعض السلف دعوتان ارجوا إحداهما كما أخشى الأخرى دعوة مظلوم أعنته ودعوة ضعيف ظلمته وكان من ديدن السلطان بسمرقند الامتحان بنفسه مرات لطلبة مدرسته المرتبين أعالي وأواسط وأدانى بعد تعيين جماعة كثيرة من العدول غير المدرس للامتحان من الأفاضل حذرا من الحيف وكان يعد الحيف في الرتبة بين المستعدين من قبيل الكفر في الدين ( قال الشيخ سعدى ) چو خواهى كه فردا برى مهترى * مكن دشمن خويشتن كهترى كه چون بگذرد بر تو اين سلطنت * بگيرد بقهر آن كدا دامنت وفي الآية إشارة إلى أن اللّه تعالى قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فلا يبدل قوله تعالى فلابد للجنة من أهلها وللنار من أهلها ولو عكس وجعل أهل الجنة في النار وأهل النار في الجنة لكان مخالفا للحكمة لان الجنة دار الجمال فهي مقر للمؤمنين والنار دار الجلال فهي مقر للكافرين كما أن القلب مقر الأوصاف الحميدة والنفس مقر الأوصاف الذميمة ولذا لا يدخل أهل النفس جنة القلب لان النور والظلمة لا يجتمعان فاعرف يَوْمَ اى اذكر يا محمد لقومك ويشمل كل من شأنه الذكر يوم نَقُولُ بما لنا من العظمة لِجَهَنَّمَ دار العذاب وسبحن اللّه للعصاة هَلِ امْتَلَأْتِ بمن القى فيك وهل أوفيتك ما وعدتك وهو قوله لأملأن جهنم وقوله لكل واحدة منكما ملؤها فهذا السؤال من اللّه لتصديق خبره وتحقيق وعده والتقريع لأهل عذابه والتنبيه لجميع عباده وَتَقُولُ جهنم مجيبة بالاستفهام تأدبا وليكون الجواب وفق السؤال هَلْ مِنْ مَزِيدٍ اى من زيادة من الجن والانس فيكون مصدرا كالمحيد أو من يزاد فيكون مفعولا كالمبيع ويجوز أن يكون يوم ظرفا لمقدر مؤخر اى يكون من الأحوال والأهوال ما يقصر عنه المقال واختلف الناس في أن الخطاب والجواب هل هما على الحقيقة أولا فقال بعضهم هما على الحقيقة فينطقها اللّه بذلك كما ينطق الجوارح وهو المختار فان اللّه على كل شيء قدير