الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

125

تفسير روح البيان

وهو تجاوز الحد في العصيان وَلكِنْ كانَ هو بالذات فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ من الحق طويل لا يرجع عنه فأعنته عليه بالإغواء والدعوة اليه من غير قسر والجاء كما في قوله تعالى وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي وذلك فان إغواء الشيطان انما يؤثر فيمن كان مختل الرأي مائلا إلى الفجور ضالا عن طريق الحق واقعا دونه بمراحل وفي الحديث انما أنا رسول وليس إلى من الهداية شيء ولو كانت الهداية إلى لآمن كل من في الأرض وانما إبليس مزين وليس له من الضلالة شيء ولو كانت الضلالة اليه لا ضل كل من في الأرض ولكن اللّه يضل من يشاء ويهدى من يشاء قالَ كأنه قيل فماذا قال اللّه لابن آدم وشيطانه المقيض له في الدنيا فقيل قال تعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ اى في موقف الحساب والجزاء إذ لا فائدة في ذلك قال بعضهم هذا الخطاب في لكفار واما قوله ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ففي المؤمنين في الظالم فيما بينهم لان الاختصام في الظالم مسموع وهذا في الموقف وأما قوله ان ذلك لحق تخاصم أهل النار ففي جهنم فظهر التوفيق بين الآيات وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ على الطغيان في دار الكسب والتكليف في كتبي وألسنة رسلي فما تركت لكم حجة على فلا تطمعوا في الخلاص منه بما أنتم فيه من التعلل بالمعاذير الباطلة والجملة حال فيها تعليل للنهي على معنى لا تختصموا وقد صح عندكم وعلمتم انى قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت لا بليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين فاتبعتموه معرضين عن الحق فلا وجه للاختصام في هذا الوقت وانما قدر المعنى هكذا ليصح جعله حالا فان مقارنة الحال لذيها في الزمان واجبة ولا مقارنة بين تقديم الوعيد في الدنيا والاختصام في الآخرة والباء مزيدة أو معدية على أن قدم بمعنى تقدم ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ اى لا يغير قولي في الوعد والوعيد فما يظهر في الوقت هو الذي قضيته في الأزل لا مبدل له والعفو عن بعض المذنبين لأسباب داعية إليه ليس بتبديل فان دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد يعنى ولا مخصص في حق الكفار فالوعيد على عمومه في حقهم قال الجلال الدواني في شرح العضد ذهب بعض العلماء إلى أن الخلف في الوعيد جائز على اللّه تعالى لا في الوعد وبهذا وردت السنة حيث قال عليه السلام من وعد لاحد على عمله ثوابا فهو منجز له ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار والعرب لا تعد عيبا ولا خلفا أن يعد شرا ثم لا يفعله بل ترى ذلك كرما وفضلا وانما الخلف أن يعد خيرا ثم لا يفعله كما قال وانى إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وأحسن يحيى بن معاذ رضى اللّه عنه في هذا المعنى حيث قال الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على اللّه ضمن لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من اللّه والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فان شاء عفا وان شاء آخذ لأنه حقه وأولاهما العفو والكرم لأنه غفور رحيم فاللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به فينجز وعيده في حق المشركين ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فيجوز أن يخلف وعيده في حق المؤمنين ولأهل الحقائق كلام آخر مذكور في محله عافانا اللّه وإياكم من بلائه وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ اى وما