الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
105
تفسير روح البيان
وقد علمنا أن النشأة الأول أوجدها اللّه تعالى على غير مثال سبق وركبها في اى صورة شاء وهكذا النشأة الآخرة يوجدها الحق على غير مثال سبق مع كونها محسوسة بلا شك فينشيء اللّه النشأة الآخرة على عجب ألذنب الذي يبقى من هذه النشأة الدنيا وهو أصلها فعليه تتركب النشأة الآخرة فقوله تعالى كما بدأكم تعودون راجع إلى عدم مثال سابق كما في النشأة الأولى مع كونها محسوسة بلا شك إذ ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من صفة نشأة أهل الجنة والنار ما يخالف هذه النشأة الدنيا وقوله وهو أهون عليه لا يقدح فيما قلنا لان البدء ان كان عن اختراع فكر وتدبير كانت إعادته إلى أن يخلق خلقا آخر مما يقارب ذلك ويزيد عليه أقرب إلى الاختراع في حق من يستفيد الأمور بفكرة واللّه متعال عن ذلك علوا كبيرا فهو الذي يفيد العالم ولا يستفيد ولا يتجدد له علم بشيء بل هو عالم بتفاصيل مالا يتناهى بعلم كلى فعلم التفصيل في عين الإجمال وهكذا ينبغي لجلاله ان يكون قال أبو حامد الغزالي رحمه اللّه ان العجب المذكور في الخبر هو النفس وعليها ينشأ النشأة الآخرة اى كما يتكون شجر كثير الأصول والأغصان من الحبة الصغيرة في الطين كذلك جسد الإنسان من حبة العجب الذي لا يقبل البلى فعبر عنه الامام بالنفس لأنه مادتها وعنصرها هكذا أوله البعض وقال غيره مثل أبى يزيد الرقراقى المراد من العجب جوهر فرد وجزء واحد لا يقبل القسمة والبلى فيه قوة القابلية الهيولانية بل هو صورة هيولى النفس الحيوانية الحاملة لاجزاء العناصر التي في الهيكل المحسوس فيبقيه الخالق ويعصمه من التغير والبلى في عالم الكون والفساد بل خلقه من أول خلق النشأة الدنيوية إلى الأبدان الجنانية وعليه مدار الهيكل يبقى من هذه النشأة الدنيا لا يتغير وعليه ينشأ النشأة الآخرة وكل ذلك محتمل لا يقدح في شيء من الأصول الشرعية في الاحكام الأخروية وتوجيهات معقولة يحتمل أن يكون كل منها مقصود الشارع بقوله عجب الذنب وقال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر والذي وقع لي به الكشف الذي لا أشك فيه ان المراد بعجب الذنب هو ما يقوم عليه النشأة وهو لا يبلى اى لا يقبل البلى والفناء فان الجواهر والذوات الخارجة إلى الوجود من العدم لا تنعدم أعيانها ولكن تختلف عليها الصور الشهادية والبرزخية بالامتزاجات التي هي اعراض تعرض لها بتقدير العزيز العليم فإذا تهيأت هذه الصور بالاستعداد لقبول الأرواح كاستعداد الحشيش بالنارية التي هي فيه لقبول الاشتعال والصور البرزخية كالسرج مشتعلة بالأرواح التي فيها فينفخ إسرافيل نفخة واحدة فتمر تلك النفخة على تلك الصور البرزخية فتطفئها وتمر النفخة التي تليها وهي الأخرى إلى الصور المستعدة للاشتعال وهي النشأة الأخرى فتشعل بأرواحها فاذاهم قيام ينظرون نسأل اللّه تعالى أن يبعثنا آمنين بجاه النبي الأمين وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ بالغ في الحفظ لتفاصيل الأشياء كلها أو محفوظ من التغير والمراد اما تمثيل علمه تعالى بكليات الأشياء وجزئياتها يعلم من عنده كتاب محيط يتلقى منه كل شيء أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ إضراب وانتقال من بيان شناعتهم السابقة إلى بيان ما هو أشنع منه وأفظع وهو تكذيبهم للنوة الثابتة