الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
98
تفسير روح البيان
الكتاب بالجمع وهو المثاني باعتبار تفاصيله كما يقال القرآن سور وآيات والإنسان عروق وعظام واعصاب وهو جمع مثنى بضم الميم وتشديد النون بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وانبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه أو لأنه ثنى في التلاوة فلا يمل كما جاء في نعته لا يخلق على كثرة الترداد اى لا يزول رونقه ولذة قراءته واستماعه من كثرة ترداده على ألسنة التالين وتكراره على آذان المستمعين وأذهان المتفكرين على خلاف ما عليه كلام المخلوق وفي القصيدة البردية فلا تعد ولا تحصى عجائبها * ولا تسام على الإكثار بالسأم اى لا تقابل آيات القرآن مع الإكثار بالملال وفي المفردات وسمى سور القرآن مثاني لأنها تثنى على مرور الأيام وتكرر فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام وانما تدرس الأوراق كما روى أن عثمان رضى اللّه عنه حرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما . ويصح ان يقال للقران مثاني لما يثنى ويتجدد حالا فحالا من فوائده كما جاء في نعته ولا تنقضى عجائبه . ويجوز ان يكون ذلك من الثناء تنبيها على أنه ابدا يظهر منه ما يدعو إلى الثناء عليه وعلى من يتلوه ويعلمه ويعمل به وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) وبالمجد في قوله ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ) أو هو جمع مثنى بفتح الميم واسكان الثاء مفعل من الثنية بمعنى التكرير والإعادة كما في قوله تعالى ( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) اى كرة بعد كرة أو جمع مثنى بضم الميم وسكون الثاء وفتح النون اى مثنى عليه بالبلاغة والاعجاز حتى قال بعضهم لبعض ألا سجدت لفصاحته ويجوز ان يكون بكسر النون اى مثن علىّ بما هو أهله من صفاته العظمى قال ابن بحر لما كان القرآن مخالفا لنظم البشر ونثرهم حول أسماءه بخلاف ما سموا به كلامهم على الجملة والتفصيل فسمى جملته قرآنا كما سموا ديوانا وكما قالوا قصيدة وخطبة ورسالة قال سورة وكما قالوا بيت قال آية وكما سميت الأبيات لاتفاق أواخرها قوافى سمى اللّه القرآن لاتفاق خواتيم الآي فيه مثاني وفي التأويلات النجمية القرآن كتاب متشابه في اللفظ مثاني في المعنى من وجهين . أحدهما ان لكل لفظ منه معاني مختلفة بعضها يتعلق بلغة العرب وبعضها يتعلق بإشارات الحق وبعضها يتعلق باحكام الشرع كمثل الصلاة فان معناها في اللغة الدعاء وفي احكام الشرع عبارة عن هيئات وأركان وشرائط وحركات مخصوصة بها وفي إشارة الحق تعالى هي الرجوع إلى اللّه كما جاء روحه من الحضرة بالنفخة الخاصة إلى القالب فإنه عبر على القيام الذي يتعلق بالسماوات ثم على الركوع الذي يتعلق بالحيوانات ثم على السجود الذي يتعلق بالنباتات ثم على التشهد الذي يتعلق بالمعادن فبالصلاة يشير اللّه عز وجل إلى رجوع الروح إلى حضرة ربه على طريق جاء منها ولهذا قال النبي عليه السلام ( الصلاة معراج المؤمن ) . والوجه الثاني ان لكل آية تشبها بآية أخرى من حيث صورة الألفاظ ولكن المعاني والإشارات والاسرار والحقائق مثاني فيها إلى ما لا ينتهى وإلى هذا يشير بقوله ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً ) الآية تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ استئناف مسوق