الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

59

تفسير روح البيان

وقال ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) فإنه لا معنى لارتكاب التجوز في مثله . واما أولاده فيجوز ذلك فيهم لظهورهم بالوسائط ومنهم عيسى عليه السلام لظهوره بوساطة أمه فيجوز ان النافخ في حقه هو جبريل عليه السلام وان كان اللّه قد اضافه إلى نفسه في قوله ( فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا ) ثم يقول الفقير نفخ الروح عندي عبارة عن إظهارها في محلها وعبر عنه بالنفخ لان البدن بعد ظهور الروح فيه يكون كالمنفوخ المرتفع الممتلئ ألا ترى إلى أن الميت يبقى بعد مفارقة الروح كالخشب اليابس ففيه رمز آخر في سورة الحجر . ثم في إضافة الروح إشارة إلى تقديم روح آدم على أرواح الملائكة وغيرها لان المضاف إلى القديم قديم وان كان جسد بعض الأشياء متقدما على جسده فَقَعُوا لَهُ امر من وقع يقع اى أسقطوا له : وبالفارسية [ پس بر وى درافتيد ] وفيه دليل على أن المأمور به ليس مجرد انحناء كما قيل وكذا في قوله ساجِدِينَ فان حقيقة السجود وضع الوجه على الأرض اى حال كونكم ساجدين لاستحقاقه للخلافة وهذه السجود من باب التحية والتكريم فإنه لا يجوز السجود لغير اللّه على وجه العبادة لا في هذه الأمة ولا في الأمم السابقة وانما شاع بطريق التحية للمتقدمين ثم أبطله الإسلام فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ اى فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد له الملائكة خلافة عن الحق تعالى إذ كان متجليا فيه فوقعت هيبته على الملائكة فسجدوا له وأول من سجد له إسرافيل ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ قاله السهيلي نقلا عن النقاش كُلُّهُمْ بحيث لم يبق منهم أحد إلا سجد أَجْمَعُونَ بطريق المعية بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد أيضا چون ملك أنوار حق در وى بيافت * در سجود افتاد ودر خدمت شتافت إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه لم يسجد والاستثناء متصل لأنه كان من الملائكة فعلا ومن الجن نوعا ولذلك تناوله أمرهم . وكان اسم إبليس قبل ان يبلس من رحمة اللّه عزازيل والحارث وكنيته أبو كردوس وأبو مرة كأنه سئل كيف ترك السجود هل كان ذلك للتأمل والتروي أو غير ذلك فقيل اسْتَكْبَرَ [ الاستكبار : كردن كشى كردن ] اى تعظم : وبالفارسية [ بزرك داشت خود را وفرمان نبرد ] وسببه انه كان أعور فما رأى آثار أنوار التجلي على آدم عليه السلام در محفلى كه خورشيد اندر شمار ذره است * خود را بزرك ديدن شرط أدب نباشد وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ في علم اللّه أزلا بالذات وفي الخارج ابدا باستقباح امر اللّه ولذا كانت شقاوته ذاتية لا عارضية وسعادته في البين عارضية لا ذاتية : قال الحافظ من آن نكين سليمان بهيچ نستانم * كه كاه كاه برو دست أهرمن باشد فالعبرة لما هو بالذات وذلك لا يزول لا لما هو بالعرض إذ ذاك يزول ومن هذا القبيل حال برصيصا وبلعام ونحوهما ممن هو مرزوق البداية ومحروم النهاية فالعصاة كلهم في خطر المشيئة بل الطائعون لا يدرون بما ذايختم لهم قالوا إن الإصرار على المعاصي يجر كثيرا من العصاة إلى الموت على الكفر والعياذ باللّه تعالى كما جاء في تفسير قوله تعالى ( كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ )