الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

489

تفسير روح البيان

يشربون بل يتغذون بالشم والثالث انهم صنفان صنف يأكل ويشرب وصنف لا يأكل ولا يشرب وانما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم وفي اكام المرجان ان العمومات تقتضى ان الكل يأكلون ويشربون وكون الرقيق رقيقا واللطيف لطيفا لا يمنع عن الاكل والشرب واما الملائكة فهم أجسام لطيفة لكنهم لا يأكلون ولا يشربون لاجماع أهل الصلاة على ذلك وللاخبار المروية في ذلك قال العلماء انه عليه السلام بعث إلى الجن قطعا وهم مكلفون وفيهم العصاة والطائعون وقد أعلمنا للّه ان نفرا من الجن رأوه عليه السلام وآمنوا به وسمعوا القرآن فهم صحابة فضلاء من حيث رؤيتهم وصحبتهم وحينئذ ينعين ذكر من عرف منهم في الصحابة رضى اللّه عنهم كذا في شرح النخبة لعلى القاري قالُوا اى عند رجوعهم إلى قومهم يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً فيه اطلاق الكتاب على بعض اجزائه إذ لم يكن القرآن كله منزلا حينئذ أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ كتاب مُوسى قيل قالوه لأنهم كانوا على اليهودية واسلموا وقال سعدى المفتى في حواشيه قلت الظاهر أنه مثل قول ورقة بن توفل هذا الناموس الذي نزل اللّه على موسى فقد قالوا في وجهه انه ذكر موسى مع أنه كان نصرانيا تحقيقا للرسالة لان نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فان اليهود ينكرون نبوته أو لأن النصارى يتبعون احكام التوراة ويرجعون إليها وهذان الوجهان متاتيان هنا أيضا وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما ان الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذا قالوا من بعد موسى قال سعدى المفتى لعله لا يصح عن ابن عباس فإنه في غاية البعد إذ النصارى أمة عظيمة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها فكيف يجوز ان لا يسمعوا بأمر عيسى وقال في انسان العيون قولهم من بعد موسى بناء على أن شريعة عيسى مقررة لشريعة موسى لا ناسخة انتهى يقول الفقير قد صح ان التوراة أول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع بخلاف ما قبله من الكتب فإنها لم تشتمل على ذلك انما كانت مشتملة على الايمان باللّه وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز كما صرح به في السيرة الحلبية فلما كان القرآن مشتملا على الاحكام والشرائع أيضا صارت الكتب الإلهية كلها في حكم كتابين التوراة والقرآن فلذا خصصوا موسى بالذكر وفيه بيان لشرف الكتابين وجلالتهما مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى موافقا لما قبله من التوراة والكتب الإلهية في الدعوة إلى التوحيد والتصديق وحقية امر النبوة والمعاد وتطهير الأخلاق ونحو ذلك يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ من العقائد الصحيحة وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ موصل اليه لا عوج فيه وهو الشرائع والأعمال الصالحة قال ابن عطاء يهدى إلى الحق في الباطن وإلى طريق مستقيم في الظاهر يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعنى محمدا صلى اللّه عليه وسلم أو أرادوا ما سمعوه من الكتاب فإنه كما أنه هاد كذلك هو داع إلى اللّه تعالى وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ اى اللّه تعالى مِنْ ذُنُوبِكُمْ اى بعض ذنوبكم وهو ما كان في خالص حق اللّه فان حقوق العباد لا تغفر بالايمان بل برضى أربابها يعنى إذا أسلم الذمي لا يغفر عنه حقوق العباد بإسلامه وكذا لا تغفر عن الحربي إذا كان الحق ماليا قالوا ظلامة الكافر وخصومة الدابة أشد لان المسلم اما ان يحمل عليه ذنب خصمه بقدر حقه أو يأخذ من حسناته