الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

376

تفسير روح البيان

تستلزم المراد بخلاف الأمر التكليفي فإنه قد يأمر بما لا يريد والذي يريده فهو واقع البتة وَقالُوا اى فرعون وقومه في كل مرة من العذاب لما ضاق نطاق بشريتهم يا ايه الساحر نادوا بذلك في مثل تلك الحالة اى عند طلب كشف العذاب بدعائه لغاية عتوهم وغاية حماقتهم أو سبق ذلك إلى لسانهم على ما ألفوه من تسميتهم إياه بالساحر لفرط حيرتهم ( قال سعدى ) المفتى والا ظهران النداء كان باسمه العلم كما في الأعراف لكن حكى اللّه تعالى هنا كلامهم لا بعبارتهم بل على وفق ما أضمرته قلوبهم من اعتقادهم انه ساحر لاقتضاء مقام التسلية ذلك فان قريشا أيضا سموه ساحرا وسموا ما أتى به سحرا وعن الحسن قالوه على الاستهزاء وقال ابن بحر اى الغالب بالسحر نحو خصمته وقال بعضهم قالوه تعظيما فان السحر كان عندهم علما عظيما وصفة ممدوحة والساحر فيهم عظيم الشان فكأنهم قالوا يا أيها العالم بالسحر الكامل الحاذق فيه ادْعُ لَنا رَبَّكَ ليكشف عنا العذاب قال في التأويلات النجمية ما قالوا مع هذا الاضطرار يا أيها الرسول وما قالوا ادع لنا ربنا لأنهم ما رجعوا إلى اللّه بصدق النية وخلوص القعيدة ليروه بنور الايمان رسولا ويروا اللّه ربهم وانما رجعوا بالاضطرار لخلاص أنفسهم لالخلاص قلوبهم بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ما مصدرية والباء للسببية وأصل العهد بمعنى التوصية ان يتعدى بالى الا انه أورد بدلها لفظ عندك اشعارا بأن تلك الوصية مرعية محفوظة عنده لا مضيعة ملغاة قال الراغب العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال وعهد فلان إلى فلان بعهد اى ألقى العهد اليه وأوصاه بحفظه والمعنى بسبب عهده عندك بالنبوة فان النبوة تسمى عهد اللّه وبالفارسية بسبب آن عهدي كه نزديك تو نهاده است أو من استجابة دعوتك أو من كشف العذاب عمن اهتدى قال بعضهم الأظهر ان الباء في الوجه الأول للقسم اى ادع اللّه بحق ما عندك من النبوة إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ اى لمؤمنون على تقدير كشف العذاب عنا بدعوتك وعد منهم معلق بشرط الدعاء ولذا تعرضوا للنبوة على تقدير صحتها وقالوا ربك لا ربنا فإنه انما يكون ربهم بعد الايمان لأنهم قائلون بربوبية فرعون فَلَمَّا پس آن هنكام كه كَشَفْنا ببرديم وازاله كرديم عَنْهُمُ الْعَذابَ بدعاء موسى إِذا هُمْ همان زمان ايشان يَنْكُثُونَ النكث في الأصل نقض الحبل والغزل ونحو ذلك وبالفارسية تا باز دادن ريسمان واستعير لنقض العهد والمعنى فاجأوا وقت نقض عهدهم بالاهتداء وهو الايمان اى بادروا النكث ولم يؤخروه وعادوا إلى كفرهم وأصروا عليه ولما نقضوا عهودهم صاروا ملعونين ومن آثار لعنهم الغرق كما يأتي فعلى العاقل الوفاء بالعهد ( حكى ) ان النعمان بن المنذر من ملوك العرب جعل لنفسه في كل سنة يومين فإذا خرج فأول من يطلع عليه في يوم نعمه يعطيه مائة من الإبل ويغنيه وفي يوم بؤسه يقتله فلقيه في يوم بؤسه رجل طاقي فأيقن بقتله وقال حيى اللّه الملك ان الاحتياج والضرورة قد حملانى على الخروج في هذا اليوم ولكن لا يتفاوت الأمر في قتلى بين أول النهار وآخره فان رأى الملك ان يأذن لي في ان أوصل إلى أهلي وأولادي القوت وأودعهم ثم أعود فرق له النعمان وقال لا يكون ذلك الا بضمان رجل منا فإن لم ترجع قتلناه قال شريك ابن علي ضمانه على فذهب الطاقي ثم رجع قريبا من المساء فلما رآه النعمان اطرق رأسه ثم رفع وقال ما رأيت