الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
36
تفسير روح البيان
من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية فلما كان من اخلاق اللّه ان يحب معالى الأمور ويبغض سفسافها التمس سليمان أقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها لئلا يلنفت ويستعملها في تربية الهمة لتتخلى روحه بان يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه فان القلوب جبلت على حب من أحسن إليها فإنهم إذا أحبوا نبي اللّه لزمهم حب اللّه فيكون حب اللّه وحب نبيه في قلوبهم محض الايمان ومن لم يمكن ان يؤمن بالإحسان فيدخلهم في الايمان بالقهر والغلبة بان يأتيهم بجنود لم يروها كما ادخل بلقيس وقومها في الايمان وامانيته للممالك فبان يجعل الممالك الدنيوية الفانية أخروية باقية بان يتوسل بها إلى الحضرة بصرفها بإظهار الدين وإقامة الحق وإعلاء كلمة الإسلام فان قيل قوله ( لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) هل يتناول النبي عليه السلام أولا قلنا اما بالصورة فيتناول ولكن لعلو همته وكمال قدره لا لعدم استحقاقه لأنه عرض عليه صلى اللّه عليه وسلم ملك أعظم من ملكه فلم يقبله ( وقال الفقر فخرى ) واما بالمعنى فلم يتناول النبي صلى اللّه عليه وسلم لأنه قال ( فضلت على الأنبياء بست ) يعنى على جميع الأنبياء ولا خفاء في ان سليمان عليه السلام ما بلغ درجة واحد من أولى العزم من الرسل مع اختصاصه بصورة الملك منهم وهم معه مفضولون بست فضائل من النبي عليه السلام فمعنى الملك الحقيقي الذي كان ملك سليمان صورته بلا ريب يكون داخلا في الفضائل التي اختصه اللّه بها واخبر عنها بقوله ( وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) بل أعطاه اللّه ما كان مطلوب سليمان من صورة الملك ومعناه أوفر ما اعطى سليمان وفتنه به من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتتان به عزة ودلالا انتهى كلام التأويلات على مكاشفه أعلى التجليات فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ قال أبو عمرو انه ريح الصبا اى فذللناها لطاعة سليمان اى جعلناها مطيعة لا تخالفه إجابة لدعوته فعاد امره عليه السلام على ما كان عليه قبل الفتنة فيكون ذلك مسببا عن انابته : وبالفارسية [ پس رام كردانيدم مر سليمان را باد تا فرمان وى برد ] وفيه إشارة إلى أن سليمان لما فعل بالصافنات الجياد ما فعل في سبيل اللّه عوضه اللّه مركبا مثل الريح كان غدوها شهرا ورواحها شهرا كما في التأويلات النجمية وقد سبق أيضا من كشف الاسرار قال البقلى رحمه اللّه كان سليمان عليه السلام من فرط حبه جمال الحق يحب ان ينظر إلى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من الشرق إلى الغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته فسخر اللّه له الريح وأجراها بمراده وهذا جزاء صبره في ترك حظوظ نفسه تَجْرِي بِأَمْرِهِ بيان لتسخيرها له رُخاءً حال من ضمير تجرى . والرخاء الريح اللينة من قولهم شئ رخو كما في المفردات : وبالفارسية [ نرم وخوش ] وفي الفتوحات المكية ان الهواء لا يسمى ريحا الا إذا تحرك وتموج فان اشتدت حركته كان زعزعا وان لم تشتد كان رخاء وهو ذو روح يعقل كسائر اجزاء العالم وهبوبه تسبيحه تجرى به الجواري ويطفأ به السراج وتشتعل به النار وتتحرك المياه والأشجار ويموج البحر وتزلزل الأرض ويزجى السحاب انتهى . والمعنى حال كون تلك الريح لينة طيبة لا تزعزع ولا تنافى بين كونها لينة الهبوب وبين قوله تعالى ( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً ) لان المراد ان تلك الريح أيضا في قوة الرياح العاصفة الا انها لما جرت بأمره عليه السلام كانت لينة رخاء أو تسخر له كلا نسيميها