الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
37
تفسير روح البيان
حَيْثُ أَصابَ ظرف لتجرى أو لسخرنا . وأصاب بمعنى أراد لغة حميرا وهجر وفي القاموس الإصابة القصد اى حيث قصد وأراد من النواحي والأطراف واعلم أن المراد بقوله بأمره جريان الريح بمجرد امره من غير جمعية خاطر ولا همة قلب فهو الذي جعل اللّه من الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده لا مجرد التسخير فان اللّه تعالى سخر لنا أيضا ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما لكن انما تفعل اجرام العالم لهمم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية فهذا التسخير عن امر اللّه لا عن أمرنا كحال سليمان عليه السلام وَالشَّياطِينَ عطف على الريح كُلَّ بَنَّاءٍ بدل من الشياطين وهو مبالغة بان اسم الفاعل من بنى وكانوا يعملون له عليه السلام ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات لما سبق في سورة سبأ ويبنون له الابنية الرفيعة بدمشق واليمن ومن بنائهم بيت المقدس وإصطخر وهي من بلاد فارس تنسب إلى صخر الجنى المراد بقوله تعالى ( قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ ) وَغَوَّاصٍ مبالغة غائص من غاص يغوص غوصا وهو الدخول تحت الماء وإخراج شئ منه قال في المفردات قوله تعالى ( وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ) اى يستخرجون له الأعمال الغريبة والافعال البديعة وليس استنباط الدر فقط انتهى وكانوا يستخرجون الدرر والجواهر والحلىّ من البحر وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ عطف على كل بناء داخل في حكم البدل يقال قرنت البعيرين إذا جمعت بينهما وقرنت على التكثير كما في الآية قال الراغب والتقرين بالفارسية [ برهم كردن ] قال ابن الشيخ مقرنين صفة لآخرين وهو اسم مفعول من باب التفعيل منقول من قرنت الشيء بالشيء اى وصلته به وشدد العين للمبالغة والكثرة . والأصفاد جمع صفد محركة وهو القيد وسمى به العطاء لأنه يرتبط بالمنعم عليه وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده واصفده أعطاه على عكس وعد وأوعد فان الثلاثي فيه للخير والمنفعة والرباعي للشر والمضرة ولكن في كون اصفد بمعنى اعطى نكتة وهي ان الهمزة للسلب . والمعنى أزلت ما به من الاحتياج بان أعطيته ما تندفع به حاجته بخلاف أوعد فإنه لغة أصلية موضوعة للتهديد . ومعنى الآية وسخرنا له شياطين آخرين لا يبنون ولا يغوصون كأنه عليه السلام فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في اعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك وإلى مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل وأوثقهم بالحديد لكفهم على الشر والفساد فان قيل إن هذه الآية تدل على أن الشياطين لها قوة عظيمة قدروا بها على تلك الابنية العظيمة التي لا يقدر عليها البشر وقدروا على الغوص في البحار واستخراج جواهرها وانى يمكن تقييدهم بالاغلال والأصفاد وفيه إشكال وهو ان هذه الشياطين اما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة فان كانت كثيفة وجب ان يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز ان لا يراهم مع كثافة أجسادهم لجاز ان يكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة لا نراها ولا نسمعها وذا سفسطة وان كانت أجسادهم لطيفة واللطافة تنافى الصلابة فمثل هذا يمتنع ان يكون موصوفا بالقوة الشديدة بحيث يقدر بها على ما لا يقدر عليه البشر لان الجسم اللطيف يكون ضعيف القوام تتمزق اجزاؤه بأدنى المدافعة فلا يطيق