الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
294
تفسير روح البيان
كان وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط والشبه يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط والمثل عام في جميع ذلك ولهذا لما أراد اللّه سبحانه وتعالى نفى التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال تعالى ليس كمثله شئ انتهى وحيث ترى في مرءاة القلب صورة أو خطر بالخاطر مثال وركنت النفس إلى كيفيته فليجزم بأن اللّه بخلافه إذ كل ذلك من سمات الحدوث لدخوله في دائرة التحديد والتكييف اللازمين للمخلوقين المنزه عنهما الخالق ولقد اقسم سيد الطائفة الجنيد قدس سره بأنه ما عرف اللّه الا اللّه وقال بعض سادات الصوفية قدس اللّه أسرارهم المثل ليس بزآئد عند أهل الحقيقة فان الهاء كناية عن الهوية الذاتية والمثل إشارة إلى التجلي الإلهي والمعنى ليس كالتجلى الإلهي الذي هو أول التجليات شئ إذ هو محيط بكل التجليات الباقية المرتبة عليه قال الواسطي قدس سره أمور التوحيد كلها خرجت من هذا الآية ليس كمثله شى لأنه ما عبر عن الحقيقة بشئ الا والعلة مصحوبة والعبارة منقوضة لأن الحق تعالى لا ينعت على أقداره لان كل ناعت مشرف على المنعوت وجل ان يشرف عليه المخلوق ( قال الشيخ سعدى ) نه بر أوج ذاتش برد مرغ وهم * نه در ذيل وصفش رسد دست فهم توان در بلاغت بسحبان رسيد * كنه در نه بيچون سبحان رسيد چه خاصان درين ره فرس راندهاند * بلا احصى از تك فرو ماندهاند وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ المبالغ في العلم بكل ما يسمع ويبصر قال الزروقى السميع الذي انكشف كل موجود لصفة سمعه فكان مدركا لكل مسموع من كلامه وغيره والبصير الذي يدرك كل موجود برؤيته والسمع والبصر صفتان من صفاته المنعوتة نابتتان له تعالى كما يليق بوصفه الكريم ورده بعضهم للعلم ولا يصح انتهى قال الغزالي رحمه اللّه السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات والبصر عبارة عن الوصف الذي به ينكشف كمال نعوت والمبصرات وسمع العبد قاصر فإنه يدرك ما قرب لا ما بعد بجارحة وربما بطل السمع بعظم الصوت وانما حظ العبد منه امر ان أحدهما ان يعلم أن اللّه سميع فيحفظ لسانه والثاني ان يعلم أن اللّه لم يخلق له السمع الا ليسمع كلامه وحديث رسوله فيستفيد به الهداية إلى طريق اللّه فلا يستعمل سمعه الا فيه واستماع صوت الملاهي حرام وان سمع بغتة فلا اثم عليه والواجب عليه ان يجتهد حتى لا يسمع لأنه عليه السلام ادخل إصبعه في اذنه كما في البزازية وفي الحديث استماع صوت الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها كفر على وجه التهديد وبصر العبد قاصر إذ لا يمتد إلى ما بعد ولا يتغلغل إلى باطن ما قرب منه وحظه الديني أمران ان يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات الآفاقية والانفسية وان يعلم أنه بمرأى من اللّه ومسمع اى بحيث يراه ويسمعه فمن قارف معصية وهو يعلم أن اللّه يراه فما اجسره واخسره ومن ظن أنه لا يراه فما أكفره قال في كشف الاسرار ثم قال وهو السميع البصير لئلا يتوهم أنه لا صفات له كما لا مثل له فقد تضمنت الآية اثبات الصفة ونفى التشبيه والتوحيد كله بين هذين الحرفين اثبات صفة من غير تشبيه ونفى تشبيه من غير تعطيل فمن نزل عن الإثبات