الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

224

تفسير روح البيان

لأنه لاقطع وهو من باب الإرشاد أيضا على ما حكى انه لما مات عثمان بن مظعون رضى اللّه عنه وهو اخوه عليه السلام من الرضاعة وغسل وكفن قبل النبي عليه السلام بين عينيه وبكى وقالت امرأته خولة بنت حكيم رضى اللّه عنها طبت هنيئا لك الجنة يا أبا السائب فنظر إليها النبي عليه السلام نظرة غضب وقال ( وما يدريك ) فقالت يا رسول اللّه ما رسك وصاحبك فقال عليه السلام ( وما أدرى ما يفعل بي ) فاشفق الناس على عثمان رضى اللّه عنه ثم إن السبب في عدم قبول التوبة عند الاحتضار انا مكلفون بالايمان الغيبي لقوله تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) وفي ذلك الوقت يكون الغيب عيانا فلا تصح . وأيضا لا شبهة في ان كل مؤمن عاص يندم عند الاشراف على الموت وقد ورد ( ان التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) فيلزم منه ان لا يدخل أحد من المؤمنين النار وقد ثبت ان بعضهم يدخلونها . واما قولهم ان من شرط التوبة عن الذنب العزم على أن لا يعود اليه وذلك انما يتحقق مع ظن التائب التمكن من العود فيخالفه ما قال الآمدي انه إذا اشرف على الموت اى قرب من الاحتضار فندم على فعله صحت توبته بإجماع السلف وان لم يتصور منه العزم على ترك الفعل لعدم تصور الفعل فهو مستثنى من عموم معنى التوبة وهو الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود في المستقبل كما في شرح العقائد للمولى رمضان واما اطلاق الآية التي هي قوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) فمقيد بالآية السابقة وهي قوله تعالى ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ) الآية وبقوله عليه السلام ( ان اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر رضى اللّه عنهما وهو يشمل توبة المؤمن والكافر فالايمان وكذا التوبة لا يعتبر حالة اليأس بالمثناة بخلافهما قبل هذه الحالة ولو بقليل من الزمان رحمة من اللّه تعالى لعباده المذنبين . فمعنى الاحتضار هو وقت الغرغرة وقرب مفارقة الروح من البدن لا حضور أوائل الموت وظهور مقدماته مطلقا وقس عليه حال البأس بالموحدة بقي انه لما قتل على رضى اللّه عنه من قال لا اله الا اللّه قال عليه السلام ( لم قتلته يا علي ) قال على علمت أنه ما قال بقلبه فقال عليه السلام ( هل شققت قلبه ) فهذا يدل على أن ايمان المضطر والمكره صحيح مقبول ولعله عليه السلام اطلع بنور النبوة على ايمان ذلك المقتول بخصوصه فقال في حقه ما قال والعلم عند اللّه المتعال هذا وذهب الامام مالك إلى أن الايمان عند اليأس بالمثناة مقبول صحيح فقالوا ان الايمان عند التيقن صحيح عنده لو لم يرد الدليل ذلك الايمان فايمان فرعون مثلا مردود عنده بدليل قوله ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) الآية وانما لم يرده مالك مطلقا لعدم النصوص الدالة عنده على عدم صحة الايمان في تلك الساعة هكذا قالوا وفيه ضعف تام ظاهر واسناده إلى مالك لا يخلو عن سماحة كما لا يخفى هذا ما تيسر لي في هذا المقام من الجمع والترتيب والترجيح والتهذيب ثم اسأل اللّه لي ولكم ان يشد عضدنا بقوة الايمان ويحلينا بحلية العيان والإيقان ويختم لنا بالخير والحسنى ويبشرنا بالرضوان والزلفى ويجعلنا من الطائرين إلى جنابه والنازلين عند بابه واللائقين بخطابه بحرمة الحواميم وما اشتملت عليه من السر العظيم