الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
22
تفسير روح البيان
فطرة اللّه التي فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضا من الحق تعالى فائضا بخلافة الحق تعالى على عرش القلب والقلب فائض بخلافة الروح على خادم النفس والنفس فائضة بخلافة القلب على القالب والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا وهي ارض اللّه فيكون الروح بهذه الأسباب والآلات خليفة اللّه في ارضه بحكمه وامره بتواقيع الشرائع ومنها ان من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق والاعراض عن الهوى بترك متابعته كما أن من خصوصية أكل الحلال العمل الصالح قال تعالى ( كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ) ومنها ان اللّه تعالى جعل داود الروح خليفة في ارض الانسانية وجعل القلب والسر والنفس والقالب والحواس والقوى والأخلاق والجوارح والأعضاء كلها رعية له ثم على قضية كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته امر بان يحكم بين رعيته بالحق اى بأمر الحق لا بأمر الهوى كما قال تعالى فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ اى بحكم اللّه تعالى فان الخلافة مقتضية له حتما وحكم اللّه بين خلقه هو العدل المحض وبه يكون الحاكم عادلا لا جائرا . والحكم لغة الفصل وشرعا امر ونهى يتضمنه إلزاما وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى اى ما تهواه النفس وتشتهيه في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا : وبالفارسية [ وپيروى مكن هواي نفس را وآرزوهاى أو را ] قال بعضهم وهو يؤيد ما قيل إن ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر إلى امرأة أوريا وهو ان يجعلها تحت نكاحه أو ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعى وتظليم الآخر قبل مسألته فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب على أنه جواب النهى اى فيكون الهوى أو اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق تكوينا وتشريعا قال بعض الكبار ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ) اى ما يخطر لك في حكمك من غير وحي منى ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) اى عن الطريق الذي أوحى بها إلى رسلي انتهى فان قلت كيف يكون متابعة الهوى سببا للضلال قلت لان الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية فيشغل عن طلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات فمن ضل عن سبيل اللّه الذي هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق أو اتباع الحق في الأمور وقع في سبيل الشيطان بل في حفرة النيران والحرمان إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تعليل لما قبله ببيان غائلته واظهار في سبيل اللّه في موضع الإضمار للايذان بكمال شناعة الضلال عنه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا اى بسبب نسيانهم يَوْمَ الْحِسابِ مفعول لنسوا . ولما كان الضلال عن سبيل اللّه مستلزما لنسيان يوم الحساب كان كل منهما سببا وعلة لثبوت العذاب الشديد تأدب سبحانه وتعالى مع داود حيث لم يسند الضلال اليه بان يقول فلئن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد لما هو مقتضى الظاهر بل أسنده إلى الجماعة الغائبين الذين داود عليه السلام واحد منهم واعلم أن اللّه تعالى خلق الهوى الباطل على صفة الضلالة مخالفا للحق تعالى فان من صفته الهداية والحكمة في خليفته يكون هاديا إلى الحضرة بضدية طبعه ومخالفة امره كما أن الحق تعالى كان هاديا إلى حضرته بنور ذاته وموافقة امره ليسير السائر إلى اللّه على قدمي موافقته امر اللّه ومخالفته هواه ولهذا قال المشايخ لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى اللّه وأعظم جنايات العبد وأقبح