الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

199

تفسير روح البيان

البعث أَكْبَرُ أعظم في القدرة مِنْ خَلْقِ النَّاسِ مرة ثانية وهي الإعادة فمن قدر على خلق الأعظم الأقوى بلا أصل ولا مادة وجب أن يقدر على خلق الأذل الأضعف من الأصل والمادة بطريق الأولى فكيف يقرون بأن اللّه خلق السماوات والأرض وينكرون الخلق الجديد يوم البعث وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعنى الكفار لا يَعْلَمُونَ أن الإعادة أهون من البداية لقصورهم في النظر والتأمل لفرط غفلتهم واتباعهم لأهوائهم وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ اى الغافل والمستبصر فالمراد بالأعمى من عمى قلبه عن رؤية الآيات والاستدلال بها والبصير من أبصرها قال الشاعر أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت * وسهيل إذا استقل يماني اى فكما لا تساوى بينهما فكذلك بين المؤمن والكافر والعالم والجاهلي وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قدمه لمجاورة البصير وهو باب من أبواب البلاغة والمراد بهم المحسنون وَلَا الْمُسِيءُ اسم جنس يعم المسيئين والمعنى وما يستوى المحسن والمسئ اى الصالح والطالح فلا بد أن يكون لهم حالة أخرى يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت وهي فيما بعد البعث وهو احتجاج آخر على حقيقة البعث والجزاء وزيادة ولا في المسئ لتأكيد النفي لطول الكلام بالصلة ولأن المقصود نفى مساواته للمحسن لأنه كما لا يساوى المحسن المسئ فيما يستحقه المسئ من الحقارة والهوان كذلك لا يساوى المسئ المحسن فيما يستحقه المحسن من الفضل والكرامة والعاطف في قوله والذين عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير مع أن المجموع اى مجموع الغافل والمستبصر هو مجموع المسئ والمحسن لتغاير الوصفين يعنى أن المقصود في الأولين إلى العلم فان العمى والبصيرة في القلب وفي الآخرين إلى العمل لأن الايمان والأعمال في الجوارح وإلا ففي الحقيقة المراد بالبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات واحد وبالأعمى والمسئ واحد ويجوز ان يراد الدلالة بالصراحة والتمثيل على أن يتحد الوصفان في المقصود بأن يكون المراد بالأولين أيضا المحسن والمسئ فالصراحة بالنسبة إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسئ والتمثيل بالنسبة إلى ما قبله فان الأعمى والبصير من قبيل التمثيل قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ قوله قليلا صفة مصدر محذوف وما تأكيد معنى القلة وتذكرون على الخطاب بطريق الالتفات على أن يكون الضمير للكفار وفائدة الالتفات في مقام التوبيخ هو اظهار العنف الشديد والإنكار البليغ والمعنى تذكرا قليلا تتذكرون أيها الكفار المجادلون يعنى وان كنتم تعلمون أن التبصر خير من الغفلة ولا يستويان وكذا العمل الصالح خير من العمل الفاسد لكنكم لا تتذكرون الا تدكرا قليلا أو تتذكرون أصلا فإنه قد يعبر بقلة الشيء عن عدمه مثل ان يقال فلان قليل الحياء اى لاحياء له ( قال في تاج المصادر ) التذكر ياد كردن ويا ياد آوردن وپند كرفتن إِنَّ السَّاعَةَ ان القيامة ومروجه التسمية بها مرارا لَآتِيَةٌ أكد با للام لأن المخاطبين هم الكفار وجرد في طه حيث قال إن الساعة آتية لكون المخبر ليس بشاك في الخبر كذا في برهال القرآن لا رَيْبَ فِيها اى