الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
190
تفسير روح البيان
ذكر اللّه تعالى عرض أرواح آل فرعون على النار فان غرضها ليس كعرض سائر الأرواح الخبيثة قال في عين المعاني قال رجل للاوزاعى رأيت طيرا لا يعلم عددها الا اللّه تخرج من البحر بيضاء ثم ترجع عشيا سوداء فما هي قال أرواح آل فرعون تعرض وتعود والسواد من الإحراق هذا ما دامت الدنيا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ وتعود الأرواح إلى الأبدان يقال للملائكة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ اى عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه فإنه للروح والجسد جميعا وهو أشد مما كان للروح فقط كما في البرزخ وذلك ان الأرواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسى جسماني ولكن ذلك نعيم أو عذاب معنوي روحاني حتى تبعث أجسادها فترد إليها فتعذب عند ذلك حسا ومعنى أو تنعم ألا ترى إلى بشر الحافي قدس سره لما رؤى في المنام قيل له ما فعل اللّه بك قال غفر لي وأباح لي نصف الجنة اى نعيم الروح واما النصف الآخر الذي هو نعيم الجسد فيحصل بعد الحشر ببدنه والاكل الذي يراه الميت بعد موته في البرزخ هو كالأكل الذي يراه النائم في النوم فكما أنه تتفاوت درجات الرؤيا حتى أن منهم من يستيقظ ويجد أثر الشبع أو الري فكذا تختلف أحوال الموتى فالشهداء احياء عند ربهم كحياة الدنيا ونعيمهم قريب من نعيم الحس فافهم جدا ويجوز ان يكون المعنى ادخلوا آل فرعون أشد عذاب جهنم فان عذابها ألوان بعضها أشد من بعض وفي الحديث أهون أهل النار عذابا رجل في رجليه نعلان من ناريغلى مهما دماغه وفي التأويلات النجمية ويوم تقوم الساعة يشير إلى مفارقة الروح البدن بالموت فان من مات فقد قامت قيامته ادخلوا آل فرعون أشد العذاب وذلك فان أشد عذاب فرعون النفس ساعة المفارقة لأنه يفطم عن جميع مألوفات الطبع دفعة واحدة والفطام عن المألوف شديد وقد يكون الألم بقدر شدة التعلق به انتهى ( قال الحافظ ) غلام همت آنم كه زير چرخ كبود * ز هر چه رنك تعلق پذير آزادست ( وقال غيره ) الفت مكير همچو الف هيچ با كسى * تا بستهء ألم نشوى وقت انقطاع ثم في الآية دليل على بقاء النفس وعذاب القبر لأن المراد بالعرض التعذيب في الجملة وليس المراد انهم يعرضون عليها يوم القيامة لقوله بعده ويوم تقوم الساعة إلخ وإذا ثبت في حق آل فرعون ثبت في حق غيرهم إذ لا قائل بالفصل وكان عليه السلام لا يصلى صلاة الا وتعوذ بعدها من عذاب القبر قال عليه السلام من كف أذاه عن الناس كان حقا على اللّه ان يكف عنه أذى القبر وروى عن سالم بن عبد اللّه أنه قال سمعت أبى يقول أقبلت من مكة على ناقة لي وخلفي شئ من الماء حتى إذا مررت بهذه المقبرة مشيرا إلى مقبرة محصوسة بين مكة والمدينة خرج رجل من المقبرة يشتعل من قرنه إلى قدمه نارا وإذا في عنقه سلسلة تشتعل نارا فوجهت الدابة نحوه انظر إلى العجب فجعل يقول يا عبد اللّه صب على من الماء فخرج رجل من القبر أخذ بظرف السلسلة فقال لا تصب عليه الماء ولا كرامة فمديده حتى انتهى به إلى القبر فإذا معه سوط يشتعل نارا فضربه حتى دخل القبر قال وهب بن منبه من قرأ