الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
138
تفسير روح البيان
فيدخل إدريس عليه السلام فإنه مات ثم أحيى وادخل الجنة فتعمه الغشية دون الموت الا ان يكون ممن شاء اللّه واما موسى عليه السلام فقد جزى بصعقته وغشيته في الطور فالموت عام لكل أحد إذ لو بقي أحد لأجاب اللّه تعالى حيث يقول لمن الملك اليوم فقال للّه الواحد القهار قال في أسئلة الحكم واما قوله تعالى ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) فمعناه عند المحققين قابل للهلاك فكل محدث قابل لذلك بل هالك دائم وعدم محض بالنسبة إلى وجه نفسه إذ لكل شئ وجهان وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فالوجه الأول هالك وعدم والثاني عين ثابت في علمه قائم بربه وان كان له ظل ظاهر فكل محدث قابل للهلاك والعدم وان لم يهلك وينعدم بخلاف القديم الأزلي ويؤيد ذلك المعنى ان العرش لم يرو فيه خبر بأنه يهلك فلتكن الجنة مثله يقول الفقير اما ما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انه سأل جبرائيل عن هذه الآية من الذين لم يشأ اللّه ان يصعفهم قال هم الشهداء المتقلدون أسيافهم حول العرش كما في كشف الاسرار وكذا ما قال جعفر الصادق رضى اللّه عنه أهل الاستثناء محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأهل بيته وأهل المعرفة وما قال بعضهم هم أهل التمكين والاستقامة كل ذلك وما شاكله فمبنى على تفسير الصعق بالغشي إذ الشهداء ونحوهم من الصديقين وان كانوا احياء عند ربهم لكنهم لا يذوقون الموت مرة أخرى والا لتحققوا بالعدم الأصلي وهو مخالف لحكمة اللّه تعالى وانما شأنهم الفزع والغشيان فيحفظهم اللّه تعالى عن ذلك فالأرواح والاحياء مشتركون في ذلك الا من شاء اللّه - حكى - ان واحدا رؤى في المنام ذا شيب وكان قد مات وهو شاب فقيل له في ذلك فقال لما قبر المرسى القائل بخلق القرآن في قبره في هذه المقبرة هجمت عليه جهنم بغيظ وزفير فشاب شعري من ذلك الفزع والهول وله نظائر كثيرة ودخل في الأرواح من يقال لهم الأرواح العالية المهيمة فإنهم لا يموتون لكونهم أرواحا ولا يغشى عليهم إذ ليس لهم خبر عما سوى اللّه تعالى بل هم المستغرقون في بحر الشهود فعلى هذا يكون المراد بالنفخة في الآية نفخة غير نفخة الإماتة وسيأتي البيان في النفخات فان قلت فما الفرق بين الصعق الذي في هذه الآية وبين الفزع الذي في آية النمل وهي قوله تعالى ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) قلت لا شك ان الصعق بمعنى الموت غير الفزع وكذا بمعنى الغشي إذ ليس كل من له فزع مغشيا عليه هذا ما تيسر لي في هذا المقام وحقيقة العلم عند اللّه الملك العلام ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى نفخة أخرى هي النفخة الثانية على الوجه الأول وأخرى . يحتمل النصب على أن يكون الظرف قائما مقام الفاعل وأخرى صفة لمصدر منصوب على المفعول المطلق والرفع على أن يكون المصدر المقدر قائما مقام الفاعل فَإِذا هُمْ اى جميع الخلائق قِيامٌ جمع قائم اى قائمون من قبورهم على أرجلهم أو متوقفون فالقيام بمعنى الوقوف والجمود في مكانهم لتحيرهم يَنْظُرُونَ يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ماذا يفعل بهم ويقال ينظرون إلى السماء كيف غيرت وإلى الأرض كيف بدلت وإلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب وإلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم واشتغلوا بأنفسهم وإلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم وفي الحديث ( انا أول من ينشق عنه القبر . وأول من يحيى من