الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
103
تفسير روح البيان
ولذا قال أهل التفسير لم يقل مستقيما أو غير معوج مع أنه اخصر لفائدتين . إحداهما نفى ان يكون فيه عوج ما بوجه من الوجوه كما قال ( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ) . والثانية ان لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان وهو بالفارسية [ كجى ] وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما ( غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) اى غير مخلوق وذلك لان كونه مقروا بالألسنة ومسموعا بالآذان ومكتوبا في الأوراق ومحفوظا في الصدور لا يقتضى مخلوقيته إذ المراد كلام اللّه القديم القائم بذاته وفي حقائق البقلى قرآنا قديما ظهر من الحق على لسان حبيبه لا يتغير بتغير الزمان ولا يرهقه غبار الحدثان لا تعوجه الحروف ولا تحيط به الظرف وفي بحر الحقائق صراطا مستقيما إلى حضرتنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ علة أخرى مترتبة على الأولى فان المصلحة في ضرب الأمثال هو التذكر والاتعاظ بها أولا ثم تحصيل التقوى . والمعنى لعلهم يعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على حدود اللّه في القرآن والاعتبار بأمثاله : وبالفارسية [ شايد كه ايشان بسبب تأمل در معاني آن بپرهيزند از كفر وتكذيب ] ثم أورد مثلا من تلك الأمثال فقال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ المراد بضرب المثل هنا تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها كما مر في أوائل سورة يس ومثلا مفعول ثان لضرب ورجلا مفعوله الأول اخر عن الثاني للتشويق اليه وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل وفيه خبر مقدم لقوله شركاء والجملة في حيز النصب على الوصفية لرجلا [ والتشاكس : با يكديكر بد خويى كردن ] قال في المفردات الشكس السيّء الخلق ومتشاكسون متشاجرون بشكاسة خلقهم وفي القاموس وكندس الصعب الخلق وككتف البخيل ومتشاكسون مختلفون عسرون وتشاكسوا تخالفوا . والمعنى جعل اللّه تعالى للمشرك مثلا حسبما يقود اليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحسره وتوزع قلبه وَرَجُلًا اى وجعل للموحد مثلا سَلَماً خالصا لِرَجُلٍ فرد ليس لغيره عليه سبيل أصلا فالتنكير في كل منهما للافراد اى فردا من الاشخاص لفرد من الاشخاص . والسلم بفتحتين وكقتل وفسق مصدر من سلم له كذا اى خلص نعت به مبالغة كقبولك رجل عدل أو حذف منه ذو بمعنى ذا سلامة لرجل اى ذا خلوص له من الشرك . والرجل ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر وتخصيص الرجل لأنه انطق لما يجرى عليه من الضر والنفع لأن المرأة والصبى قد يغفلان عن ذلك هَلْ استفهام انكار يَسْتَوِيانِ [ آيا مساوى باشد اين دو بنده ] مَثَلًا من جهة الصفة والحال نصب على التمييز والوحدة حيث لم يقل مثلين لبيان الجنس وإرادته فيعم اى هل يستوى حالهما وصفاتهما يعنى لا يستويان . والحاصل ان الكافر كالعبد الأول في كونه حيران متفرق البال لأنه يعبد آلهة مختلفة اى أصناما لا يجيىء منها خير بل تكون سببا لوقوعه في أسفل سافلين كما أن العبد يخدم ملاكا متعاسرين مختلفي الاهوية لا يصل اليه منهم منفعة أصلا والمؤمن كالعبد الثاني في انضباط أحواله واجتماع باله حيث يعبد ربا واحدا يوصله إلى أعلى عليين كما أن العبد يخدم سيدا واحدا يرضى عنه ويصل اليه بالعطاء الجزيل