الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
9
تفسير روح البيان
ويكون له قدم صدق عند ربه بالثبات والبقاء ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) اى سيغلب روم القلب على فارس النفس بتأييد اللّه ونصرته ( فِي بِضْعِ سِنِينَ ) من أيام الطلب ( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ) يعنى غلبة فارس النفس على روم القلب أولا كانت بحكم اللّه وتقديره وله في ذلك حكمة بالغة في صلاح الحال والمآل ألا يرى أن فارس نفس جميع الأنبياء والأولياء في البداية غلبت على روم قلبهم ثم غلبت روم قلبهم على فارس نفسهم ( وَمِنْ بَعْدُ ) يعنى غلبة روم القلب على فارس النفس أيضا بحكم اللّه فإنه يحكم لا معقب لحكمه ( وَيَوْمَئِذٍ ) يعنى يوم غلبت الروم ( يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) يعنى الروح والسر والعقل ( بِنَصْرِ اللَّهِ ) القلب على النفس وبنصر اللّه المؤمنين على الكافرين ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) فبعزته يعز أولياءه ويذل أعداءه ( الرَّحِيمُ ) برحمته ينصر أهل محبته وهم أرباب القلوب ( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) من ناسى الطافه ( لا يَعْلَمُونَ ) صدق وعده ووفاء عهده لأنهم ( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) يجدون ذوق حلاوة عسل شهوات الدنيا بالحواس الظاهرة ( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ ) وكمالاتها ووجدان شوق شهواتها بالحواس الباطنة وانها موجبة للبقاء الأبدي وان عسل شهوات الدنيا مسموم مهلك ( هُمْ غافِلُونَ ) لاستغراقهم في بحر البشرية وتراكم أمواج أوصافها الذميمة انتهى : قال الكمال الخجندي جهان وجمله لذاتش بزنبور عسل ماند كه شيرينيش بسيارست وزان افزون شر وشورش عصمنا اللّه وإياكم من الانهماك في لذات الدنيا أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ الواو للعطف على مقدر . والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب وهو قبل ان يتصفى اللب والتذكر بعده ولذا لم يذكر في كتاب اللّه تعالى مع اللب الا التذكر قال بعض الأدباء الفكر مقلوب الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها قوله ( فِي أَنْفُسِهِمْ ) ظرف للتفكر وذكره في ظهور استحالة كونه في غيرها لتصوير حال المتفكر فهو من بسط القرآن نحو يقولون بأفواههم والمعنى اقصر كفار مكة نظرهم على ظاهر الحياة الدنيا ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا انه تعالى ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ الاجرام العلوية وكذ سماوات الأرواح وَالْأَرْضَ الاجرام السفلية وكذا ارض الأجسام وَما بَيْنَهُما من المخلوقات والقوى ملتبسة بشئ من الأشياء إِلَّا ملتبسة بِالْحَقِّ والحكمة والمصلحة ليعتبروا بها ويستدلوا على وجود الصانع ووحدته ويعرفوا انها مجالي صفاته ومرائي قدرته وانما جعل متعلق الفكر والعلم هو الخلق دون الخالق لان اللّه تعالى منزه عن أن يوصف بصورة في القلب ولهذا روى ( تفكروا في آلاء اللّه تعالى ولا تتفكروا في ذات اللّه ) : وفي المثنوى عالم خلقست با سوى جهات * بي جهت دان عالم امر وصفات « 1 » بي تعلق نيست مخلوقى بدو * آن تعلق هست بيچون اى عمو اين تعلق را خرد چون پى برد * بستهء فصلست ووصلست اين خرد زين وضيت كرد ما را مصطفى * بحث كم جوييد در ذات خدا
--> ( 1 ) در أواخر دفتر چهارم در بيان آنكه خلق دوزخ كرسنكان ونالانند إلخ