الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

493

تفسير روح البيان

وسموا جنة لاجتنانهم واستتارهم عن الابصار ومنه سمى الجنين وهو المستور في بطن الام والجنون لأنه خفاء العقل . والجنة بالضم الترس لأنه يجن صاحبه ويستره . والجنة بالفتح لأنها كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض فمن له اجتنان عن الأعين جنس يندرج تحته الملائكة والجن المعروف قالوا الجن واحد ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرا كله فهو شيطان ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا فهو ملك قال الراغب الجن يقال على وجهين أحدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الانس فعلى هذا يدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة وقيل بل الجن بعض الروحانيين وذلك ان الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فهم أخيار وأشرار وهم الجن ويدل على ذلك قوله تعالى ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) إلى قوله ( وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ) نَسَباً النسب والنسبة اشتراك من جهة الأبوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء ونسب بالعرض كالنسبة بين الاخوة وبنى العم وقيل فلان نسيب فلان اى قريبه . والمعنى وجعل المشركون بما قالوا نسبة بين اللّه وبين الملائكة واثبتوا بذلك جنسية جامعة له وللملائكة وفي ذكر اللّه الملائكة بهذا الاسم في هذا الموضع إشارة إلى أن من صفته الاجتنان وهو من صفات الاجرام لا يصلح ان يناسب من لا يجوز عليه ذلك وفيه إشارة إلى جنة الإنسان وقصور نظر عقله عن كمال أحدية اللّه وجلال صمديته إذا وكل إلى نفسه في معرفة ذات اللّه وصفاته فيقيس ذاته على ذاته وصفاته على صفاته فيثبت له نسبا كما له نسب ويثبت له زوجة وولدا كما له زوجة وولد ويثبت له جوارح كما له جوارح ويثبت له مكانا كما له مكان تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهو يقول تبارك وتعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) جهان متفق بر الهيتش * فرو مانده از كنه ماهيتش بشر ماوراى جلالش نيافت * بصر منتهاى كمالش نيافت نه ادراك در كنه ذاتش رسد * نه فكرت بنور صفاتش رسد ثم إن هذا وهو قوله تعالى ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ ) إلخ عبارة عن قولهم الملائكة بنات اللّه وانما أعيد ذكره تمهيدا لما يعقبه من قوله وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ اى وباللّه لقد علمت الجنة التي عظموها بان جعلوا بينها وبينه تعالى نسبا وهم الملائكة إِنَّهُمْ اى الكفرة لَمُحْضَرُونَ النار معذبون بها لا يغيبون عنها لكذبهم وافرائهم في ذلك والمراد به المبالغة في التكذيب ببيان ان الذي يدعى هؤلاء المشركون لهم تلك النسبة ويعلمون انهم اعلم منهم بحقيقة الحال يكذبونهم في ذلك ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكما مؤكدا قال في كشف الاسرار [ نحويان كفتند چون ان از قفاي علم وشهادت آيد مفتوح بايد مكر كه در خبر لام آيد آنكه مكسور باشد ] كقول العرب اشهد ان فلانا عاقل وان فلانا لعاقل وجهه ان ان المكسورة لا تغير معنى الجملة واللام الداخلة على الخبر لتأكيد معنى الجملة ثم إن اللّه تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب فقال سُبْحانَ اللَّهِ اى تنزه تعالى