الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
477
تفسير روح البيان
شئ بالمعنى لا بالصورة إذ فضل الصورة تابع لفضل المعنى بخلاف البدنة فان المقصود الأعظم منها الركوب وحملّ الأثقال عليها قيل كان ذلك كبشا من الجنة وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما انه الكبش الذي قربه هابيل فتقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل وحينئذ تكون النار التي نزلت في زمن هابيل لم تأكله بل رفعته إلى السماء وحينئذ يكون قول بعضهم فنزلت النار فأكلته محمولا على التسمح كما في انسان العيون . ويحتمل ان تتجسم الروح كما تتجسم المعاني وتبقى ابدا فلا ينافي ان تأكله النار في زمن هابيل ان يذبحه إبراهيم ثانيا وروى أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى اخذه فبقى سنة في الرمي وروى أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده كما سبق وروى أنه لما ذبحه قال جبريل « اللّه أكبر اللّه أكبر » فقال الذبيح « لا اله الا اللّه واللّه أكبر » فقال إبراهيم « اللّه أكبر وللّه الحمد » فبقى سنة واعلم أن الذبح ثلاثة وهو ذبح هابيل ثم ذبح إبراهيم ثم ذبح الموت في صورة الكبش . وكذا الفداء فإنه فداء إسماعيل بكبش هابيل وفداء المؤمنين يوم القيامة يفدى عن كل مؤمن بكافر يأخذ المؤمن بناصيته فيلقيه في النار وفداء اللّه عن الحياة الأبدية بالموت يذبح في صورة الكبش على الصراط فيلقى به في النار بشارة لأهل الجنة بالخلود الدائم وتبكيتا لأهل النار بالعقوبة الدائمة ففيه إشارة إلى مراتب التوحيد فذبح هابيل إشارة إلى توحيد الافعال وذبح يحيى إلى توحيد الصفات وذبح إبراهيم إلى توحيد الذات لأنه مظهر توحيد الذات والفناء الكلى في ذات اللّه تعالى فذبحه أعظم من كل ذبح وفداؤه أتم من كل فداء قالوا إن الدم إذا تعين على الحاج فلا يسقط عمن تعين عليه ولما تعين ذبح ولد إبراهيم لم يسقط عنه الدم أصلا ففداه اللّه تعالى بكبش عظيم حيث جعله بدل إفساد نبي مكرم فحصل الدم وبعد ان وجب فلا يرتفع ولذا من نذر بذبح ولده لزمه شاة عند الحنفية فصارت صورة ولد إبراهيم صورة الكبش يساق إلى الجنة يدخل فيها في أي صورة شاء فذبحت صورة الكبش ولبست صورة ولد إبراهيم صورة الكبش وهذا سبب العقيقة التي كل انسان مرهون بعقيقته ولو لم يفد اللّه بالكبش لصار ذبح الناس واحدا من أبنائهم سنة إلى يوم القيامة وتحقيق المقام انه كان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام لمناسبة واقعة بينهما وهي الاستسلام والانقياد فكان مراد اللّه الكبش لا ابن إبراهيم فما كان ذلك المرئي عند اللّه الا الذبح العظيم متمثلا في صورة ولده ففدى الحق ولده بالذبح العظيم وهذا كما أن العلم يرى في صورة اللبن فليس ما يرى في حضرة الخيال عين اللبن وحقيقته فلو تجاوز إبراهيم عليه السلام عما رآه في حضرة الخيال إلى المعنى المقصود منه بان يعبر ذبح ابنه في منامه بذبح الكبش الذي في صورته لما ظهر لأهل الآفاق كمال فنائه وتمام استسلامه وكذلك انقياد ابنه لكن اللّه سبحانه أراد إراءة استسلامهما واظهار انقيادهما لامره تعالى فاخفى عليه تعبير رؤياه وستر المقصود من المنام حتى صدق الرؤيا وفعل ما فعل لتلك الحكمة العلية ) واختلف ( في ان الذبيح إسماعيل أو إسحاق فذهب أكثر المفسرين إلى الأول لوجوده ذكرت في التفاسير ولان قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج ولم يكن