الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

478

تفسير روح البيان

إسحاق ثمة وفي فضائل القدس كان في السلسلة التي في وسط القبة على صخرة اللّه درة يتيمة وقرنا كبش إبراهيم وتاج كسرى معلقات فيها أيام عبد الملك بن مروان فلما صارت الخلافة إلى بني هاشم حولوا إلى الكعبة حرسها اللّه انتهى يقول الفقير هذا يقتضى ان لا تأكل النار الكبش الذي جاء فداء لان بقاء القرن من موجبات ذلك وأكل النار القربان كان عادة الهية من لدن آدم إلى زمان نبينا عليه السلام ثم رفع عن قربان هذه الأمة اللهم الا ان يحمل على أحد وجوه . الأول ان معنى أكل النار القربان إحراقه بحيث يخرج عن الانتفاع به وهذا لا يوجب كون القرنين حريقين بالكلية . والثاني ان الذي كان يحرقه النار ليس جثة القربان بمجموعها من القرن إلى القدم بل ثروبه وأطايب لحمه كما روى أن بني إسرائيل كانوا إذا ذبحوا قربانا وضعوا ثروبه وأطايب لحمه في موضع فيدعو النبي فتأتي نار فتأكله فلا يلزم ان يكون جميع اجزائه مأكولة محروقة . والثالث انه محمول على التمسح كما سبق في قربان هابيل فان قلت قد صح ان عبد المطلب نذر ان يذبح ولدا ان سهل اللّه حفر بئر زمزم أو بلغ بنوه عشرة فلما سهل اللّه فخرج السهم على عبد اللّه والد رسول اللّه منعه أخواله ففداه بمائة من الإبل ولذلك سنت الدية بمائة فقد روى أنه فرق لحموم القرابين المذكورة إلى الفقراء ولم تأكلها النار فكيف كان سنة الهية بين جميع الملل قلت المتقرب ان كان جاهليا فلا شك ان قربانه غير معتدبه وان كان اسلاميا فلابد ان يكون في محضر نبي من الأنبياء إذ هو الذي يدعو فتأتي النار كما لا يخفى على من له حظ أو في من علم التفسير والتأويل ) وذهب ( إلى الثاني بعض أرباب الحقائق والتوفيق بين الروايتين عند التحقيق ان صورة الذبح جرى في الظاهر إلى حقيقة إسماعيل أولا ثم سرى ثانيا إلى حقيقة إسحاق لتحققه أيضا بمقام الإرث الابراهيمى من التسليم والتفويض والانقياد الذي ظهر في صورة الكبش ولهذا السر اشتركا في البشارة الإلهية ( فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ ) فكان إسماعيل وإسحاق مختلفين في الصورة والتشخص متفقين في المعنى والحقيقة فان شئت قلت إن الذبيح هو إسماعيل وان شئت قلت إنه إسحاق فأنت مصيب في كل من القولين في الحقيقة لما عرفت ان أحدهما عين الآخر في التحقق بسر إبراهيم عليه وعليهما السلام إلى يوم القيام وَتَرَكْنا عَلَيْهِ اى أبقينا على إبراهيم فِي الْآخِرِينَ من الأمم سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ اى هذا الكلام بعينه كما سبق في قصة نوح كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الكاف متعلقة بما بعدها وذلك إشارة إلى ابقاء ذكره الجميل فيما بين الأمم لا إلى ما أشير اليه فيما سبق فلا تكرار اى مثل ذلك الجزاء الكامل نجزى المحسنين لا جزاء أدنى منه يعنى ان إبراهيم من المحسنين وما فعلناه به مما ذكر مجازاة له على إحسانه إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الراسخين في الايمان على وجه الإيقان والاطمئنان وفي التأويلات النجمية اى من عبادنا المخلصين لا من عباد الدنيا والهوى والسوي وَبَشَّرْناهُ اى إبراهيم : والتبشير بالفارسية [ مژده دادن ] وهو الاخبار بما يظهر سرورا في المخبر به ومنه تباشير الصبح لما ظهر من أوائل ضوئه بِإِسْحاقَ من سارة رضى اللّه عنها نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ اى مقضيا بنبوته مقدرا كونه من الصالحين